موقع الكاتب صلاح معاطي
مرحبا أيها الزائر العزيز أنت الأن في نطاق موقع الروائي صلاح معاطي

موقع الكاتب صلاح معاطي

موقع يحتوي كتب واعمال الروائي صلاح معاطي
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول


















دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 24 بتاريخ الجمعة نوفمبر 29, 2013 6:18 am

شاطر | 
 

 نصف آلي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صلاح معاطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 103
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 21/08/2009
العمر : 58
الموقع : http://salahmaaty.maktoobblog.com

مُساهمةموضوع: نصف آلي   الجمعة مايو 06, 2011 5:34 pm

تعلقت العيون بمؤشرات الحياة المنتشرة في أنحاء الغرفة الواسعة .. الأيادي البيضاء تعبث بالجسد المسجى في ثبات عميق، تزيل ما فقد صلاحيته بفعل التقادم وتثبت بديلا عنه ليدفع بربق الحياة أياما أخر أو ساعات أو حتى دقائق ، فالدقيقة داخل غرفة العمليات يعمل لها ألف حساب .
الجو مشحون بالترقب والتوجس . نظرات خاطفة تتلاقى سريعا ثم تتشتت تحمل بين القلق والرجاء . حبات عرق تتصبب على الوجوه المتوترة . أدوات تعمل بهمة ونشاط جيئة وذهابا ، فهذه تقطع وأخرى توصل ، تلك تحل ورابعة تربط .
الوقت يمر بطيئا بطيئا . الموت والحياة يتصارعان في معركة شرسة بين طرفي مقص الجراح . مؤشر الحياة توقف أكثر من مرة معلنا انتصار الموت ، لكنه يعود إلى الحركة من جديد بعد أن أمات قلوبا جزعا وفرقا . التقطت الأنفاس أخيرا بعد ساعات طوال مرت كالدهور اتحدت فيها حياة البشرية كلها مع حياة شخص واحد ممدد على سرير صغير لا يزيد حجمه عن حجم كفن .
رفع الجراح الكمامة من على وجهه راسما ابتسامة عريضة ، بينما صفق له الجميع وراحوا يهنئونه على نجاح العملية . هز رأسه في تواضع وثقة وسبقهم نحو باب غرفة العمليات تاركا الجسد وحيدا داخلها . ما أن فتح الباب حتى أطلت من الخارج وجوه أحاطت بالجراح العظيم ، راح أصحابها يتساءلون دفعة واحدة :
- كيف الحال يا دكتور . هل نجحت العملية . أمازال حيا . هل سيعيش ؟
أومأ مطمئنا إياهم دون أن ينبث بكلمة وترك نظراتهم تتبعه في حيرة تنطق بمعان متباينة من الحسرة والألم لم يستطع أصحابها إخفاءها ، فمهارة الجراح باعدت بينهم وبين إرث عظيم كانوا سيحصلون عليه . وفي كل مرة يسقط فيها الرجل لسبب أو لآخر يتنفسون الصعداء ويعاودهم الأمل القديم للحصول على الثروة . لكن في الوقت المناسب تتدخل التكنولوجيا المزعجة بتطورها السريع والمتلاحق لتقوض آمالهم وتقضي على أحلامهم
ماذا يفعلون مع رجل له أكثر من عشر عمليات ما بين تركيب أطراف صناعية وتغيير صمامات فتركيب قلب وكبد وكلى صناعية إلى جهاز هضمي آلي يقوم بعملية الهضم والامتصاص بطريقة آلية بحتة ، وجهاز دوري آلي يؤدي الدورة الدموية أوتوماتيكيا عن طريق شعيرات دقيقة حساسة تمنع التجلط في الأوردة والشرايين ، وأخيرا خلايا مخية صناعية متطورة ثبتت برأسه عقب نزيف مخي مفاجئ لتقوم مقام الخلايا التي تلفت بالمخ من جراء النزيف . لكن يبدو أنهم تعودوا على ذلك فراحوا يهنئون بعضهم بعضا بحكم العادة والضرورة كاظمين ما في قلوبهم من غيظ وإحباط .
***
ببطء شديد يفتح عينيه . يجول ببصره في أنحاء الغرفة . يتفرس الوجوه المحيطة به والتي صاحت عندما شعرت باسترداد وعيه :
- يحيى . حمدا لله على سلامتك يا أخي .
- لقد شغلنا عليك .
- بركة أنك بخير .
تبدأ الأيادي تربت على مواضع الجراحات التي أنجزت ، كأنها تنعي آمالا تحطمت . يقرأ يحيى ما يدور خلف الوجوه التي استطاعت أن ترسم ملامح الفرحة الكاذبة لنجاح العملية . يشيح بوجهه عنهم ويجهش . يدخل الطبيب فيستاء من تلك المظاهرة التي أحاطت بمريضه فيصيح :
- لا يا سادة . هذا خطر كبير على حياته . لو تحبونه حقا دعوه الآن .
يخرجون جميعا ويبقى يحيى والطبيب الذي يلاحظ الدموع التي في عينيه فيصيح :
- لا لا يا يحيى بك . ينبغي أن تكون سعيدا في هذه اللحظة . لقد حققنا بك اليوم إنجازا عظيما يضاف إلى الإنجازات الأخرى .
صاح يحيى بصوت واهن تشوبه نبرة البكاء :
- أتعرف يا دكتور فؤاد . كم عملية أجريتها حتى الآن ؟
- أعرف بالطبع . ألست أنا الذي أجريتها لك جميعها ، ولكن ما الذي يضيرك ما دمت قادرا على تكاليفها ؟
مصمص يحيى شفتيه متأسيا :
- معنى هذا أن ثروتي هي السبب في بقائي على قيد الحياة إلى الآن . تعسا للفقراء إذن .
هز الدكتور فؤاد كتفيه مؤمنا على كلامه :
- من معه قرشا يساوي قرشا يا يحيى بك . ومع ذلك هناك كثيرون لم تستطع أموالهم أن تعينهم على العيش لحظة واحدة. لا تنس أن الموت والحياة بيد الله قبل كل شيء .
- ونعم بالله . لكن ما يزعجني حقا أن كل أعضائي استبدل بها أعضاء آلية . القلب ، الكبد ، الرئتان ، الكليتان ، حتى مخي أدخلت فيه خلايا تعمل بطريقة آلية . لقد أصبحت آليا يا دكتور فؤاد .
أشار له فؤاد مصححا وهو يغمز بعينيه :
- عفوا يا صديقي نصف آلي ، فما زالت بك أعضاء بشرية .
ثم انفجر ضاحكا وهو يخرج من الغرفة .
***
أيهما تفضل أن تكون نصف بشري تقنع بما هو متاح لك من فرص محدودة ، أم تعيش نصف آلي ترضى بما منحته لك الحياة من قدرات وإمكانيات جديدة لا تتوفر لغيرك من البشر؟
كل شيء على ما يرام . جميع أجهزته تعمل بكفاءة . الأطراف الصناعية تتحرك كما لو كانت طبيعية تماما . القلب الصناعي يضخ الدم بانتظام كالساعة بلا تقديم أو تأخير . الكبد الكليتان الرئتان تعمل بدقة متناهية . المخ يؤدي وظائفه على أكمل وجه وأضيفت إليه قدرات جديدة بفضل الخلايا الإليكترونية التي ثبتت حديثا كسرعة الحفظ والتخزين وقوة الذاكرة .
وبالرغم من ذلك يشعر في قرارة نفسه أن ثمة تغييرا طرأ عليه ، كأن شيئا بداخله قد كسر . هل لأن ذاكرته الجديدة لم تعد تعرف النسيان ، جعلته لا يستطيع أن ينسى مكدرات الحياة ومنغصاتها ، فالنسيان نعمة بلا شك ، أم شعوره بأنه آلي لغته الأرقام والرموز يستمد قوته من بطاريات خاصة تقوم بتشغيل أجهزته الداخلية ، مشاعره شحنات كهربية مختزنة ، وحياته مربوطة بتروس تدور داخل جسده إذا توقف أحدها توقفت حياته كلها .
ياله من شعور غريب لم يعتره من قبل ، كما لو كان فقد شيئا مهما مغروسا في كيانه منذ ولد ، هذا الشيء كان يشعره بوجوده كلما التقى بنجوى ، فهي نموذج لامرأة مكتملة الأنوثة . غضة كثمرة مانجو مكتنزة تدلت في هيام فوق غصن رطيب ، وقد فاح عبقها الأخاذ الذي كان يصيبه بخدر لذيذ . شعرها الأسود الفاحم ينسدل في انسيابية تاركا خصلة منه فوق جبينها العاجي . عيناها البراقتان يتوه الناظر فيهما ، كأنه قصد مدينة أسطورية وقت السحر . شفتاها المكتنزتان يحار من يراها بين أن يلثمها فيخدش جمالها أو يتركها فيندم طيلة عمره .
الآن هي بين ذراعيه ، شفتاها بين شفتيه ، صدرها في صدره، جسدها لصق جسده ، ولا يشعر بشيء . فتر شعوره القديم فجأة ، كجذوة نار مشتعلة انسكب فوقها برميل من الثلج . كادت تتوقف جميع أجهزته البشرية والآلية معا من هول الصدمة، فكارثة الرجل الذي يفقد رجولته لا تقل فظاعة عن كارثة المرأة التي تفقد عذريتها . الخلايا المخية الإليكترونية التي زرعت في رأسه هي السبب بلا ريب .
هرع إلى الدكتور فؤاد تلاحقه جميع الأفكار السوداء .. أهو الموت يدق بابه ودخل عليه من أهم أعضاء الجسم حيوية ؟ أم جراحة جديدة في الطريق إليه سيتم فيها زرع جهاز آلي جديد ؟ .
طمأنه الطبيب بعد عمل الفحوصات اللازمة أن لا داع للقلق ، فجميع أجهزته سليمة ويمكنه ممارسة حياته الطبيعية كيفما شاء . ثمة بعض الزيوت والشحومات ينبغي أن توضع لتليين جهاز ضخ الدم الآلي بالقلب للقيام بعمله على أكمل وجه .
- عظيم . الأمر بسيط إذن ، فليشحم ويزيت الجهاز المقصود .
- للأسف . إنه في حاجة إلى شحومات وزيوت من نوع خاص لا تتوفر إلا في بلد صنعها
يا لحظه السيئ . تنجح جميع العمليات الجراحية التي أجريت في جسده ، ويخفق في أول عملية يقوم بها كرجل . ولكن تبا لليأس . سيذهب إلى آخر الدنيا . سيشتري بثروته كل شحومات وزيوت العالم لتكون في متناول يديه يدفع بها في جسده كلما أراد.
يتذكر الطبيب فجأة أن له قريبة " من بعيد " اشترت غسالة حديثة من ذات البلد ، والغسالة بها كم وفير من نفس نوع الشحومات والزيوت المطلوبة .
- ولم الانتظار ؟ .. هيا بنا إليها .
***
تمدد يحيى في استسلام ، واضطر الدكتور فؤاد أن يوصل بينه وبين الغسالة خرطوما رفيعا لسحب الشحومات والزيوت من الغسالة حيث كانت تختزن داخل مواسير خاصة بها ، ثم يبثها بيسر بين أجهزته الداخلية عن طريق شعيرات دقيقة . طول الوقت لم يرفع يحيى عينيه عنها .. الغسالة .. كأنه يشكر لها جميلها الذي لا ينسى . مقدرا تلك التضحية العظيمة التي قامت بها بالتبرع بجزء من زيتها وشحمها له ..
أما هي فكانت تتأمله بإعجاب خفي . لا تدري أترثي لحال ذلك الفتى الوسيم الممدد أمامها في استسلام وقد ارتبطت حياته بزيت غسالتها الجديدة ، مما جعله يداوم على زيارتها باستمرار لتشحيم وتزييت أجهزته الداخلية ، أم ترثي لحالها الذي جعلها تتعلق بذلك الشاب ، فيمضيان في أحاديث مختلفة حتى ينصرم الوقت سريعا دون أن تشعر به .
يلاحظ يحيى نظرات الفتاة فيبتسم . يبدو عليها الارتباك . تهرب من نظراته بالحديث عن الغسالة :
- إنها غسالة فول أوتوماتيك . ذات مائة برنامج . ألمانية الصنع.
يعقب في إعجاب :
- مثلي تماما ، فجميع أجهزتي الداخلية ألمانية الصنع .
- نظام تشغيلها أوتوماتيكي ذاتي . تعمل بقوة 20 حصانا .
- كأنك تحدثيني عن نفسي .
- تقوم بعمل 50 ألف لفة في الدقيقة الواحدة .
- دؤوبة . تقوم بكل هذا الجهد وحدها بلا شكوى أو ملل .
تنتبه الفتاة فتتساءل في دهشة :
- ماذا تقول يا أستاذ يحيى ؟
- لا لا أبدا . من فضلك أعطني الكتالوج ..
يتفحص الكتالوج الخاص بالغسالة وعينه تسترق النظر إلى "دنيا " صاحبتها .. يا لجمالها الطاغي ، إنها تفوق نجوى أنوثة وجمالا ، ومع ذلك يشعر بشيء يحول بينه وبينها ، بل يحول بينه وبين نساء العالم جميعا .. إنها آليته البشعة ، ذلك الإحساس البغيض الذي تغلغل بداخله ليبدد إنسانيته ويحوله إلى آلة صماء بليدة ، لكي تعمل ينبغي تشحيمها وتزييتها أولا .. لقد صار كبندقية نصف آلي قديمة لا تستطيع أن تطلق رصاصة واحدة وسط مدافع شرهة تهدر بعنف فتحيل الليل نهارا .
أجل يشعر بميل نحوها ، يستعذب حديثها ، يستشعر كل نبضة من نبضاتها ، لم يعد يستطيع الابتعاد عنها ، بل إن شيئا بداخله يحدثه أن الفتاة تبادله نفس المشاعر ، وفي كل مرة يلتقيان فيها يحس أن كلمة تتراقص على طرف لسانها تريد أن تنطق بها ، ولكن أنوثتها تخونها ، وحياء المرأة يبتلع الكلمة في الوقت المناسب .
حمد الله أنها لم تفوه بالكلمة التي طالما تمنى سماعها ، لأنها ليست من حقه ، فهي بشرية وهو آلي ، أو نصف آلي كما يقول طبيبه الدكتور فؤاد . دنيا تحبه وهو أيضا يحبها ، لكن ما الفائدة وهو يعلم أن هذا الحب مكتوب عليه بالموت في مهده . دنيا كسائر البشر تستطيع أن تحب وأن تُحب ، أما هو ففريد من نوعه، ليس له مثيل على وجه الأرض ، موديل جديد ، أوتوماتيكي ألماني . الحياة لا تعترف به ولا تقر بوجوده .. أيحبها هي ، أم يحب غسالتها ، يكفي أن شحمها وزيتها يجري في جسده مجرى الدم .. ترى هل فقد انتماءه تماما لبني البشر وصار آليا .. ربما ..
لو الأمر بيده لأوقف جميع الأجهزة التي تدور في أعماقه ، لو بإمكانه لنزع بطارية قلبه من داخل صدره ، لو يستطيع لفكك صواميله التي تربط أجهزته الداخلية بعضها ببعض ليتحول إلى قطع متناثرة من الخردة . هذه هي النهاية المناسبة له .. لذلك فمن الأفضل له أن يختفي . يبتعد . يذوب . حتى يستريح ويريح كل من حوله .
***
مرت أسابيع دون أن يعثر له على أثر .. تخلف عن برنامج الصيانة الدورية الذي كان قد حدده له مسبقا طبيبه الدكتور فؤاد ، حتى جلسات التشحيم والتزييت المقرر عقدها في منزل دنيا لم يحضرها .
بدأ القلق يساور دنيا ، وبعد فترة تردد كبحت فيها جماح نفسها حتى لا يفضحها حبها ، لم تعد تستطيع الانتظار وليعرف الجميع أنها تحب يحيى . أسرعت إلى قريبها الدكتور فؤاد مستفسرة ، فإذا بها تجده لا يقل عنها قلقا لغياب يحيى الذي دخل أسبوعه الرابع ، وبدلا من أن يهدئ من روعها أشعل قلبها بقوله .. إن غياب هذا النصف آلي يشكل خطورة كبيرة على حياته ، خاصة وأن معظم أجهزته الداخلية في حاجة إلى صيانة ، كما أن بطارية القلب تحتاج إلى إعادة شحن .
جلست دنيا تبكي أمام غسالتها وكأنها تشكو لها وتبثها همومها ، فهي السبب في تعرفها عليه ، وهي الشاهد الوحيد على حبها .. لم تكن تدري أنها ستتعلق به إلى هذه الدرجة ، ولم تعرف أن وجوده في حياتها مهما هكذا إلا بعد اختفائه ، لقد وجدت فيه ما لم تجده في البشر جميعا . بالرغم من أنه نصف آلي فقد كان بالنسبة لها انسانا كاملا .
ترى كيف هو الآن ؟ هل مازالت أجهزته تعمل أم توقفت ؟ هل مازال حيا . أم أنه .. آخر لقاء بينهما كان يائسا إلى درجة كبيرة ، بعدها اختفى تماما .
بينما هي كذلك دق الهاتف ، بيد مرتعشة أمسكت بالسماعة وهي تتوقع أن تسمع خبرا لا تود سماعه . كان صوت الدكتور فؤاد على الجانب الآخر يخبرها أنه عثر على يحيى ملقيا في أحد الخرائب بين الموت الحياة ، وهو بصدد إجراء جراحة جديدة عاجلة له .
لم تنتظر . ألقت السماعة من يدها وطارت إلى مستشفى الدكتور فؤاد . طالعتها وجوه أقاربه الذين تجمعوا كالمعتاد ينتظرون لحظة خروج السر الإلهي يراودهم الحلم القديم . دفعت باب الغرفة التي يقيم فيها يحيى ودخلت وهي تبكي :
- يحيى . أين كنت . وماذا فعلت بنفسك ؟
تكلم يحيى بصوت لاهث أوشك أن يفارق الحياة :
- لقد تعبت يا دنيا وأتعبت من حولي . آن الأوان للنصف آلي أن يستريح .
- لا تقل ذلك . هل تظن أننا سنستريح ببعادك عنا . إنني في أشد الاحتياج إليك .
- أنت ؟
- أجل أنا يا يحيى . أنا الذي عرفت الحب منذ ظهرت في حياتي .
- لا يا دنيا . لست أنا الذي تبحثين عنه لكي يحقق لك السعادة . أنت بشرية من لحم ودم تستحقين بشريا مثلك يحبك وتحبينه تنجبان أبناء مثلكما ، أما أنا فلا يوجد إنسان نصف آلي مثلي قلبه يعمل ببطارية 12 فولت وعقله موديل 2500 .. ما أنا في حقيقة الأمر سوى ماكينة بشرية متحركة تخضع لكل النظم التي تحدد التعامل مع الآلات والماكينات استعضت عن هويتي البشرية بمجموعة من الكتالوجات حول كيفية تشغيل الأجهزة الداخلية وبعض التحذيرات من سوء الاستخدام وشهادات ضمان وشروط التخزين وتاريخ الصلاحية .. الخ .. هذه هي هويتي الجديدة التي لا أستطيع التحرك إلا بها . لا يا دنيا . لست أنا الذي تبحثين عنه .
انتابتها حالة من الضحك والبكاء الهستيري وراحت تقول بكلمات أشبه بصرخات :
- بل أنت يا يحيى . أنت ولا أحد غيرك . أتعرف لماذا ؟ لأنني مثلك تماما . آلية . آلية من لحم ودم وأجهزة وآلات .
ينتبه يحيى قبل أن يروح في إغماءة ويصيح متسائلا :
- ماذا قلت ؟
راحت تعيد عليه وهي تبكي :
- أجل أنا آلية من قمة رأسي إلى أخمص قدمي . آلية حتى النخاع . استبدلت جميع أجهزتي عقب حادث كاد يودي بحياتي . وقضيت سنوات عمري فاقدة الأمل ، ألملم نظرات الشفقة والرثاء من عيون من حولي . حتى ظهرت في حياتي فجأة لتعيد إلى الأمل المفقود .
لم يصدق يحيى ما سمعه من دنيا ، أمعقول هذا ، هل وجد أخيرا نصف آلية مثله قلبها كقلبه ، عقلها كعقله ، تفكيرها يطابق تفكيره ، مشاعرها تكافئ مشاعره ، يتحدثان لغة واحدة ، يحتويهما هم واحد ، لا يمثل الاختلاف بينهما نقطة ضعف تستوجب الشعور بالرثاء أو الشفقة.
كان قد بدأ يذهب في غيبوبة بفعل المخدر وبالرغم من ذلك تحامل على نفسه وتراقصت على شفتيه ابتسامة ممزوجة بأمل جديد وراح يتطلع إلى وجه دنيا وهو يهمس :
- أحبك .
بينما أخذت الأيدي تدفعه نحو غرفة العمليات ، وكانت دنيا تردد خلفه :
- سوف تعيش يا يحيى ، سوف تعيش . من أجل دنيا تحبك . لن يشعر بك أحد سواي ، ولن يحس بي أحد غيرك ، إذا تألمت فلن تجد غير ذراعي الميكانيكية لتربت عليك ، وإذا حزنت لن تجد من يستمع لشكواك غير أذني الإليكترونيتين ، وإذا مرضت ستجد عدسات عيني ساهرتين من أجلك . وإذا تعطلت بطارية أحدنا ، يكفينا بطارية واحدة لتشحن قلبينا ، فلا يشعر بمتاعب الآخر إلا من هو مثله . وتأكد أن الحياة ترفض الندرة ولا تعترف بالفردية هذه هي فلسفة الحياة منذ الأزل .. ستعيش يا يحيى . ستعيش حتى ولو كنت نصف آلي .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://salah-maaty59.ahlamontada.com
 
نصف آلي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع الكاتب صلاح معاطي :: الأدب :: قصص قصيرة-
انتقل الى: