موقع الكاتب صلاح معاطي
مرحبا أيها الزائر العزيز أنت الأن في نطاق موقع الروائي صلاح معاطي

موقع الكاتب صلاح معاطي

موقع يحتوي كتب واعمال الروائي صلاح معاطي
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول


















دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 24 بتاريخ الجمعة نوفمبر 29, 2013 6:18 am

شاطر | 
 

 صائد الأقمار

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صلاح معاطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 103
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 21/08/2009
العمر : 58
الموقع : http://salahmaaty.maktoobblog.com

مُساهمةموضوع: صائد الأقمار   الجمعة مايو 06, 2011 5:49 pm

كان من الممكن ألا أصدق لولا أن محدثي الدكتور أسامة الكاشف الخبير بوكالة أبحاث الفضاء الدولية أكد لي وهو يقسم أغلظ الأيمان أن ما يقوله هو الصدق، ثم أضاف وهو يذكرني بأحداث مماثلة وقعت منذ بضعة أعوام:
- لعلك ما زلت تذكر يا دكتور صبري بحثي الذي قرأته عليك منذ أكثر من عشرين عاما وتنبأت فيه بأن خللا كيميائيا سوف يطرأ على جو الأرض قد يترتب عليه إحداث فجوات وثقوب في الغلاف الجوي، يومها أخذت تجادل وتحاور وتقول إن هناك معدلات ثابتة تتحكم في جميع العناصر المكونة لكوكبنا وأي نقص في عنصر سيتبعه على الفور زيادة في عنصر بديل يحل محله، وبعدها بشهور قليلة أعلن العلماء عن اكتشاف ثقب الأوزون
قاطعته:
- هذا لا يعني أن جميع نظرياتك صحيحة يا دكتور، فلو أصاب حدسك مرة قد يخيب الأخرى.
أسرع يعقب كأنه لا يسمعني:
- والشق الكبير الذي يلف الكرة الأرضية مختبئا تحت قيعان البحار والمحيطات شاطرا إياها إلى نصفين، أ لم أحدثك عنه أنت بالذات ؟
- الشق موجود منذ زمن، وقد ألمح إليه العديد من الباحثين قبلك يا دكتور أسامة.
ابتسم بمرارة وهو ينظر لي كأنه يفحمني:
- والنيزك الضخم الذي ارتطم بكرتنا الأرضية جالبا معه عواصف وزلازل وبراكين، انتشرت في أنحاء متفرقة من العالم، أ لم أنبئك بقدومه قبلها بشهور.
أسقط في يدي، فرحت أتجه نحو النافذة وأنا أنظر إلى السماء محدثا نفسي بصوت مسموع:
- أ هذا معقول ؟ أ بعد مئات الملايين من السنين استمر فيها القمر تابعا أمينا للأرض يدور حولها في ثبات وانتظام، نتطلع إلى وجهه المضيء في الليالي الصافية، تتعلق به عيون المحبين وقلوبهم في وله وشوق، مثيرا قرائح الشعراء فيكتبون فيه القصائد والأشعار. يأتي اليوم الذي يختفي فيه القمر من السماء ولا يعود له وجود
ووجدت الدكتور أسامة يقف خلفي ويعقب بنبرة حزينة:
- أجل. سيختفي القمر إلى الأبد ولن يبقى منه سوى تلك الصور الجميلة المحفورة في أذهاننا، ونطل بأعيننا نحو السماء البليدة الموحشة وقد هجرها النور إلا من ثقوب صغيرة غائرة صنعتها نجوم متناثرة هنا وهناك ونردد في أسى، كان هناك قمر !
رحت أسأله وأنا أعود إلى مقعدي:
- كيف يحدث هذا ولماذا ؟
جلس قبالتي ثم أجاب وهو يهز رأسه مؤكدا:
- مذنب جبار سيزور مجرتنا قريبا، سيتجه نحو الأرض ويحيط غباره الكثيف بالقمر ثم يأسره في قبضة جاذبيته وينطلق به مبتعدا في أعماق الفضاء.
أغمضت عيني لأستوعب حجم الكارثة التي ستترتب على اختطاف قمر، بينما مضى الدكتور أسامة الكاشف يتحدث عن ذلك المذنب القرصان ذي النواة المغناطيسية الرهيبة الذي اعتاد زيارة مجرة سكة التبانة على فترات معينة كل عدة مئات من السنين، وفي كل مرة يجذب معه أحد أقمار المجموعة الشمسية ويفر بعيدا، ففي المرة السابقة، أي ما يقرب من ثمانمائة سنة اختطف أحد أقمار الكوكب نبتون، وفي المرة التي قبلها استولى على تابع للمشتري …
راح أسامة يلقي على مسامعي صحيفة سوابق هذا المذنب المجرم العتيد، لكنني لم أكن أسمعه تماما، فعقلي لا يستطيع أن يتصور أن الخطف والسرقة والقرصنة يمكن أن تلصق بمذنب وهي صفة اتصف بها الإنسان دون غيره، تطلعت إليه بعينين يائستين يتخايل فيهما أهداب الأمل والرجاء :
- ألا يمكن أن تكون مخطئا يا دكتور ؟
- للأسف ما قلته لك ليس حدسا أو تخمينا وإنما حقيقة واقعة علينا جميعا أن نواجهها.
ثم عقب وهو يهز رأسه في أسى:
- الطوفان قادم لا محالة، فلا جبل عاصم ولا بحر حام.
اندفعت بسذاجة الغريق اليائس الذي يبحث عن قشة لكي يتعلق بها:
- فلنترك المجموعة الشمسية بكواكبها وأقمارها، لقد تمكنا من اكتشاف مجموعات شمسية أخرى تقع على أطراف مجرتنا سكة التبانة. لماذا لا نصل إليها ونستعمر كوكبا مناسبا.أو نبحث عن مجرة أخرى أكثر أمانا.
لمحت دموعا تتجمع في مقلتيه وهو يوصد في وجهي آخر أبواب الأمل:
- مع الأسف ما سيصيب القمر وبالتبعية الأرض قد يصيب أي كوكب آخر في أي مجموعة شمسية بالمجرة.ثم إن أقرب مجرة إلينا تبعد عنا مئة سنة ضوئية، أين لك بسفينة الفضاء الخرافية التي ستنطلق بنا بسرعة الضوء لمدة مئة عام.
شعرت بحلقات زحل تحلق حول رأسي مصيبة إياي بدوار فأغمضت عيني في إعياء وأنا أردد:
- الكارثة واقعة إذن.
لدهشتي فوجئت بالدكتور أسامة الكاشف الذي كان يتحدث طول الوقت بثبات العلماء ينهار على أقرب مقعد ويجهش:
- صدقني يا صبري أنا لست خائفا على حياتي، فعالمنا الذي يضج بالعديد من الكوارث والأوبئة تجعلني متوقعا أيا منها في أي لحظة، لكنني حزين أن تنتهي البشرية هذه النهاية المأساوية في غفلة منا، فالحياة بلا شك جميلة وأجمل ما فيها ألا تتوقع نهايتها. فما بالك والنهاية المفزعة تتربص بنا تنتظر اللحظة المواتية لتنقض علينا مخلفة الدمار والفناء لكل شيء جميل على الأرض.
سكت قليلا ليبتلع ريقه ثم عقب:
- أنت يا صبري فضلا عن كونك خبير بالموضوعات العلمية والتكنولوجية فأنت صحفي ناجح وكاتب مرموق. الناس تجتمع حول قلمك، ومن يستطع أن يجمع الناس على فكرة واحدة يمكنه إيجاد الخلاص لهم ؟
- دعك من هذه الأفكار الفلسفية وأخبرني كيف نجد الخلاص لهم. أ لست أنت العالم، كما ترى الخطر وتتوقعه تعرف كيف يكون الحل وأين ؟
- صدقني يا صبري. حينما يعجز العالم عن إيجاد الحل يشعر بقمة جهله..
أتم جملته، ثم تركني وخرج مندفعا وهو ينتحب. كان بكاء الدكتور أسامة الكاشف بمثابة ناقوس خطر راح يطن في أذني طنينا مزعجا جعل الدماء تصعد إلى رأسي دفعة واحدة.
صدق حدس الدكتور أسامة الكاشف، فلم يمض سوى بضعة أسابيع على حديثه معي حتى كان خبر زيارة المذنب العملاق يتصدر نشرات الأخبار. في البداية نظر الناس إلى الخبر بلا مبالاة كأن الأمر لا يعنيهم، فماذا يعني لهم اختطاف قمر. بل إن الحدث عد بالنسبة لهم أهون بكثير من اختطاف رغيف من الخبز، لكن بمرور الوقت بدأ الحدث يزداد أهمية حاملا معه الرعب والفزع بعد أن مثل اختطاف القمر خطورة على هيكل الحياة على سطح الأرض. فأية كارثة هذه التي ستحل بقمرنا الوحيد، وما سيتبع ذلك من كوارث لا يعلم مداها إلا الله ستحل بالتبعية على كوكب الأرض.
سرعان ما انتصبت نحو السماء عدة رؤوس نووية على أهبة الاستعداد للانطلاق في اتجاه هذا المذنب الجبار بمجرد دخوله مجرة سكة التبانة لحمله على تغيير اتجاهه، وبدأت أجهزة الرصد الإليكترونية تقتفي أثره في الفضاء لعلها تتعرف على بصماته وتتعامل معه.
لم أكن مقتنعا تماما بالإجراءات الساذجة التي اتخذت للتعامل مع المذنب، وكأن الأمر يتعلق بمجرم خارج عن القانون، ولكن هذه هي عادتنا دائما في التعامل مع كوارث من هذا النوع، فبعد أن يتهم بعضنا بعضا بالتقصير والإهمال والتخلي عن المسئولية نتصرف بدون وعي أو إدراك لطبيعة المشكلة وحجم الكارثة، فإرسال صواريخ نووية نحو المذنب قد يؤدي إلى ابتلاع المذنب للمخزون النووي لتلك الصواريخ داخل نواته المغناطيسية ويتجه بقوته الجديدة إلى الأرض ليحدث بها ما لا يحمد عقباه.
بدأت أجهزة الرصد الراديوية والتليسكوبات الإليكترونية وغير الإليكترونية تمسح الفضاء مسحا بحثا عن لص الأقمار هذا، فما لا تكشفه بؤرة العين تتلمسه حتما الإليكترونات والدقائق والأجسام المجهرية.. حتى لمحناه وتعرفنا عليه ورأيناه بأمهات عيوننا بالرغم من بعده الشاسع وقدرته الفائقة على المناورة والتخفي ككل المجرمين يظهر حينا ويختفي حينا، يندس وسط مجموعة نجمية فنخاله نجما تابعا لهذه المجموعة، أو يختبئ خلف كوكب بعيد ضاغطا ذيله الطويل فنحسبه قمرا لهذا الكوكب..
وعقدت عشرات المؤتمرات واللقاءات الصحفية التي لم يكن لها سوى حديث وحيد بطله صائد الأقمار، وتباينت الآراء والأفكار من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار كل حسب هواه ومبتغاه، فمنهم من قال إن صائد الأقمار ما هو إلا سفينة فضاء عملاقة مرسلة من كوكب مجهول يقع على أطراف مجرتنا بهدف تدمير كوكب الأرض، ومنهم من أفتى بأنه غضب من الله بعد أن استشرى الظلم والشر في كل مكان.
وقد حضرت جميع هذه المؤتمرات ولا سيما ذلك المؤتمر الذي أعد خصيصا للتعامل مع الحدث بعقلانية وموضوعية، فإذا به يخرج عن كل سمات العقلانية والموضوعية، وجاءت جلستي مع الأسف بجوار البروفسور المصري العالمي هارون شكران، وهو في نفس الوقت جاري في السكن الذي أقطن فيه، كنا قديما أصدقاء، لكن فجأة نمت بيننا شحناء لا أدري لها سببا.
فالبروفسور الكبير اعتاد أن يخرج علينا بحلول معلبة ومستوردة من الخارج حيث يعيش منذ فترة شبابه، أليس هو صاحب الاقتراح الشهير بعدم جدوى الكفاح والمقاومة من أجل تحرير الأرض المغتصبة، بعد نظام العولمة الجديد وبعد أن أصبح العالم قرية صغيرة، وأنه ينبغي على الشعوب التي تنادي بالاستقلال والحرية أن تتخلى عن أفكارها التحررية وتنصهر مع الحضارات الأخرى فلماذا القتال وإزهاق الأرواح من أجل وطن والأرض كلها وطن للجميع.
وها هو اليوم يخرج علينا بنظرية جديدة، فقد انبرى رافعا يده طالبا الكلمة وراح يدلي بفكرته الجهنمية:
- أيها السادة. حقيقة أنا أرى أنكم تحملون الأمور أكثر مما ينبغي وتشغلون رؤوسكم بتلك الكتلة الصخرية الضخمة المسماة بالقمر، فليذهب القمر إلى الجحيم ودعونا نفكر الآن في قمر جديد نصنعه بأيدينا، قمر لا يغيب عنا ليل نهار ينير أرضنا صباح مساء ويقوم بكافة الأعمال التي كان يقوم بها القمر القديم، بل ونخزن فيه أعمالا أخرى ينبغي القيام بها تبعا لمتغيرات العصر القادم.
وراح البروفسور ينحني وسط تصفيق هادر ثم جلس مزهوا باقتراحه، اقتربت منه وهمست:
- حقيقة يا دكتور أفكارك تصلح لكل زمان ومكان أهنئك عليها، أحمد الله أن هذه الأفكار لا تخرج عن حيز القاعات والمؤتمرات وإلا حلت بنا الكوارث.
ثم تركته ومشيت بينما كان يسدد لي نظرات الحنق والغيظ..
عندما عدت إلى البيت بادرتني طفلتي أمل ذات الخمس سنوات بينما كانت ابتسامة تلهو على ثغرها البريء:
- بابي.. مالي أراك مهموما مكدرا على غير عادتك بعد أن كنت تملأ البيت ضحكات، فلم تعد تلاعبني مثلما كنت تفعل معي،
عبثت بشعرها المسدل على جبهتها وقد سقطت دمعة ساخنة من عيني على وجهها المستدير كالقمر وقلت:
- لا شيء يا صغيرتي، بعض الأمور تشغلني قليلا وسأفرغ لك بعد الانتهاء منها.
ردت وهي ترنو بعينيها إلى وجهي لتتأكد من أن ما تراه في عيني هي حقا دموع بينما كان إبهامي يزيلها حتى لا ينكشف ضعفي أمامها:
- أليس ما يشغلك هو القمر ؟
كنت أظن أن هذه الأمور لم تصل إلى رأسها الصغير بعد، فآثرت أن أنأى بها بعيدا عن هذه المعضلات التي يصعب علينا نحن الكبار إيجاد حل لها، ووجدتني أقول لها بعينين غير صامدتين فضحت ضعفي أمام ابنتي:
- أجل يا أمل سيختفي القمر سيختفي إلى الأبد. وسيختفي معه كل شيء جميل.
ردت بعدم اكتراث كأنها لا تستطيع تصديق الأمر:
- سمعت هذا الكلام مرارا لكنني لا أدري كيف يمكن أن يحدث ذلك ؟
جلست القرفصاء لأكون مواجها لها لعل رأسها الصغير الخالي من التعقيدات يوحي لي بما عجز عقلي عن التنبؤ به أو التفكير فيه:
- أمل. ما الذي يمكن أن تفعليه لو علمت أن لصا جاء ليسرق عروستك ؟
أجابت سريعا وبتلقائية مدهشة:
- من الذي يستطيع الاستيلاء على عروستي وأنا أضعها أسفل وسادتي.
- أقصد لو كانت عروستك هذه شيئا كبيرا كهذا البيت الذي نعيش فيه مثلا أو أكبر كثيرا بحيث لا يمكن وضعه تحت الوسادة.
هرشت في رأسها مفكرة ثم قالت:
- بالتأكيد أنت تقصد القمر، في هذه الحالة إذن يجب علينا أن نربط القمر بالحبال ونثبت الحبال بالأرض بقوة فلا يستطيع أحد خطفه.
- مستحيل يا أمل، فالقمر بعيد بعيد، أين لنا بالحبال التي تصل بيننا وبينه خاصة وأن حبال الأرض ضعيفة واهية لم تستطع حتى أن تربط سكان الأرض بعضهم ببعض.
عبثت بغمازة أسفل ذقنها مستغرقة في التفكير ثم صاحت :
- ليس أمامنا إذن سوى أن نسرع نحن باختطاف القمر ونضعه في مكان ما على الأرض ، فلن يجرؤ لص على الاقتراب منه وهو بين أيدينا .
ثم ضحكت وانطلقت لتلهو في الحديقة بينما كنت أفكر حقيقة فيما أوحت به الصغيرة، ولم لا ؟ . فالقمر لم يكن أبدا هو تلك الكتلة الصخرية الهائلة التي تزين السماء في الليالي الصافية لنرنو إليها حالمين ونحن نفكر في الحبيب الغائب، بينما أقرب جسم فضائي منا غائب عنا وعن أحلامنا. نحن الذين أهملنا القمر بأيدينا حتى أصبح عرضة للضياع والسطو.
ذات صباح استيقظ الناس في كل مكان على نقطة داكنة قميئة خرجت إليهم لتشوه وجه السماء وتتحرك في مدار القمر.. تنتظر أن تغفل عيوننا عنه لتنقض عليه ملتهمة إياه لم تكن هذه النقطة سوى المذنب اللص " صائد الأقمار "..
بالرغم من أنني كنت متوقعا هذا الحدث منذ فترة طويلة خاصة بعد تحذير الدكتور أسامة الكاشف، فقد أذهلني الحدث مثلما أذهل الجميع وصرت مثلهم أترقب كارثة اختطاف القمر كالأمر الواقع الذي لابد منه وبات حديث الناس في كل مكان " ماذا بعد اختفاء القمر ؟ " حتى إننا صرنا نستقبل هلاله مثلما نودع محاقه، بالدموع والحسرات وضرب الأكف ولطم الخدود والتهليل والتكبير كعزيز حكم عليه بالإعدام، ونظل نتساءل في كل مرة يظهر فيها هل ستكون المرة الأخيرة التي يطل فيها علينا ؟ وعند محاقه يصبح السؤال ترى سيظهر ثانية أم أنه أفول بلا عودة. فتذبح الذبائح في كل مكان لقمر قد يذهب ولا يعود ..
لم يعد الأمر بمقدورنا نحن أهل الأرض، فقد كانت الضرورة تدفعنا بإلحاح الغريق الباحث عن قشة للنجاة إلى أحد مصيرين، إما وضع الأيدي على الخدود وندب الحظ والنصيب في انتظار الكارثة الآتية لتجرفنا جميعا رغما عنا في تيارها الهادر الذي لا يعرف الهوادة أو اللين لتأكلنا الحسرة ويمضغنا الندم.
أو أن نقاوم المستحيل ممثلا في هذا المذنب المارق الخارج عن قوانين الطبيعة ونواميس الكون بما لدينا من عقول وإمكانيات محدودة حقا حتى لو هلكنا فحسبنا أننا هلكنا ونحن نقاوم.
يا لها من نقطة قاتمة كئود تلك التي ترافق القمر أينما ذهب، لم تعد بحاجة إلى تليسكوبات دقيقة لمراقبتها ولا لمجاهر إليكترونية للتعرف عليها، أصبحت الآن واضحة للعيان، كل من يريد أن يراها ما عليه سوى أن يرفع عينيه إلى السماء .
ما زالت الفكرة المجنونة التي أوحت لي ابنتي بها تلح علي ، لا لن نأتي بالقمر على الأرض بل سنذهب نحن إليه . أعلم أنكم ستقولون عني مجنونا كما نعتني البروفسور العالمي هارون شكران ولكن لحسن الحظ أن الأفكار المجنونة كثيرا ما يكون لها مؤيدين وأنصار راحوا يحملون شعار الهجرة إلى القمر بهدف حمايته من هذا القرصان الفضائي غير عابئين بالمصير المجهول الذي يمكن أن يلقوه على سطح القمر .
كنا ننطلق في سفينة الفضاء العملاقة التي أعددناها لتحملنا إلى القمر وعيوننا ترقب بوجل صائد الأقمار وهو يقف متربصا تحيطه هالة من الغدر والخسة ، اليأس والرجاء يتسابقان إلى هناك كأنهما على موعد لعراك الموت والحياة ، القلوب تخفق والأجساد ترتعد ، لا أحد يستطيع أن يتخيل لحظة انقضاض المذنب على القمر لاختطافه .
تساؤلات عديدة كانت تصاحبنا أثناء اندفاعنا نحو القرص المنير الذي كان يكبر شيئا فشيئا كلما اقتربنا منه وتكبر معه تلك البقعة القميئة الداكنة ..
- ألم يكن الأجدى لو اختطف المذنب القمر ونحن لسنا عليه ؟
أرد في هدوء :
- إن ما سيصيب القمر سيصيب الأرض بالتبعية ، فباختفاء القمر ستختفي معه كل صور الحياة على سطح الأرض .
- وما الذي يمكن أن نفعله على قمر مهدد بالفناء ؟
- نفس الذي كنا سنفعله على الأرض في آخر أيامها نغرس زرعا ونشيد بناء ونرفع شركا ونقتل عدوا .
بدأت السفينة تدخل غلاف القمر وراحت تهبط على ربوة قمرية صغيرة وأخذ كل منا يحكم أجهزة التنفس والضغط والحرارة التي أتينا بها من الأرض وعندما وضعنا أقدامنا على سطح القمر كانت النقطة المظلمة الكؤود قد اختفت وراح كل منا يعانق الآخر في لحظة انتصار نادرة وعندئذ بدأت الحياة تدب على سطح القمر ..

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://salah-maaty59.ahlamontada.com
 
صائد الأقمار
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع الكاتب صلاح معاطي :: الأدب :: قصص قصيرة-
انتقل الى: