موقع الكاتب صلاح معاطي
مرحبا أيها الزائر العزيز أنت الأن في نطاق موقع الروائي صلاح معاطي

موقع الكاتب صلاح معاطي

موقع يحتوي كتب واعمال الروائي صلاح معاطي
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول


















دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 24 بتاريخ الجمعة نوفمبر 29, 2013 6:18 am

شاطر | 
 

 ما قبل العاصفة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صلاح معاطي
Admin


عدد المساهمات : 103
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 21/08/2009
العمر : 59
الموقع : http://salahmaaty.maktoobblog.com

مُساهمةموضوع: ما قبل العاصفة   الخميس أكتوبر 04, 2012 3:03 pm

http://www.arabicstory.net/index.php?p=text&tid=18756
وانطلق القطار يشق سكون الليل البهيم بصفيره المزعج وصوت عجلاته يصرخ فوق القضبان . انكمش هو بجانب إحدى نوافذ الدرجة الثالثة وقد تسرب البرد إلى عظامه ، فشعر بآلام قاسية في أنحاء جسده . نظر من النافذة فلم ير إلا الظلام الدامس الذي بدا كأنه يخفي خلفه أشباحا تتراقص وتتمايل . شعر برعدة تسري داخله فحول ناظريه داخل القطار لتطالعه وجوه مصفرة ذابلة منها الذي يغط في نوم عميق وقد تعالى شخيره ، ومنها المنكب على جريدة يكاد يذوب بين سطورها ، وآخرون مضوا يثرثرون وهم يدخنون حتى عبقوا القطار بدخان سجائرهم .

أما هو فجلس وحيدا مضطربا قلقا ذهنه يعمل بسرعة مثله مثل اندفاع القطار بأقصى سرعته ، وبالرغم من ذلك شعر أنه بطيء ممل وود أن يطير .

مرت برأسه أحداث اللحظات القليلة الماضية عندما دق هذا التليفون اللعين وسمع صوت زوجته منهارا : " محفوظ .. أحمد في خطر . تعال حالا " .

كانت هذه الكلمات كفيلة لأن توقع قلبه بين قدميه . بدون تفكير هرع إلى محطة القطار دون أن يلتفت لوجه يعرفه . لم يبال بالعربات التي كادت تفتك به . لقد شعر أن عقله سوف يشت . ابنه في خطر .. لقد تركه راقدا في فراشه إثر نوبة برد عادية ألمت به . هل تغلب المرض عليه ؟

ألقى بجسده فوق أول مقعد صادفه بالقطار . كان مضطربا . يداه تروحان وتجيئان في عصبية . أطرافه ترتجف . قلبه يخفق بشدة . عيناه زائغتان لا تعرفان لهما طريقا ، فهي أحيانا خارج القطار تستشف الظلام الكثيف الذي لا تجد له نهاية ، وأحيانا داخل القطار تتجول بين الوجوه دون ان تركز على أحد ..

لفت انتباهه نحيب سيدة تجلس على مقربة منه متشحة بالسواد ، بجانبها امرأة أخرى كانت تهدئ من روعها :

- هذا قضاء الله يا نفيسة ولا راد لقضائه .

قالت المرأة من بين دموعها :

- لا أستطيع . أنسيت ماذا كان بالنسبة لي . إنه زوجي ، أبو أولادي ، شريك حياتي ، عشرة ثلاثين عاما قضيناها معا . كان بلسما لجراحي . لم أر منه طيلة حياتي إجحافا أو ظلما . بقي بجانبي هذه السنين الطوال مخلصا وفيا . لم يغضبني يوما .

ثم انفجرت في البكاء بينما راحت صاحبتها تواسيها وتدخل بعض الراكبين فصاح أحدهم يسأل المرأة المكلومة :

- أكان مريضا ؟

- أبدا . كان طبيعيا . تناول العشاء معنا كالمعتاد ثم دخل لكي ينام . ولم يصح ثانية .

انفجرتا المرأتان معا في البكاء بينما راح بعض الراكبين يواسون السيدة ببضع كلمات :

- كان الله في عونك يا ست .. صبرك الله .. الموت علينا حق

وسرى حديث الموت داخل القطار فشعر أن صوت عجلاته كأنها أنين جميع الثكالى والمكلومين تجمع معا ليصبح مرثية حزينة ملأت أذنيه فشعر باكتئاب شديد وراح يهرب من هذا الجو الحزين الذي فرض عليه فرضا ، فعاد إلى النافذة بقلب خافق وهو يتساءل : " هل سأجده حيا .. أم ؟ "

لا يعرف كيف وصل إلى البيت في تلك اللحظة .. صعد الدرجات مسرعا . فتح الباب . اندفع نحو غرفة ابنه . كان بابها مواربا . دفعه برفق . الحجرة غارقة في الظلام . ضغط على زر المصباح . كل شيء في مكانه . الفراش كما هو كأنه تركه لتوه . القطار الحديد لعبته المفضلة مازال فوق القضبان . منامته الحريرية التي اشتراها له قبل أسبوع . جال ببصره في أنحاء الغرفة . كل شيء صامت . الصمت يخفي خلفه أمرا مريبا . أحس بحركة عند الباب . يبدو أنه أحمد . التفت مسرعا . كانت زوجته . متشحة بالسواد وقد احمرت عيناها من فرط البكاء . . بادرها بفزع :

- أين أحمد ؟

- لماذا تأخرت ؟

- أين أحمد ؟

- لم يكف عن السؤال عنك .

- أين هو ؟

- كان يريد أن يراك قبل أن يرحل .

ثم أجهشت وهي تلقي بنفسها عليه .. مستحيل .. أحمد . لم يعد له وجود . لن أراه ثانية .

انهار على الأرض وهو يصرخ .. أحمد لم يمت .. إنني أسمع وقع خطواته تقترب . أنصتي . هاهو أيضا صوت قطاره الصغير وهو يجري فوق القضبان .

علا صوته دون أن يدري داخل القطار وهو ما فتئ يصيح :

- أحمد لم يمت . أحمد مازال حيا .

عندما فتح عينيه وجد الوجوه تحملق فيه وتحاول تهدئته ومد أحدهم يده إليه بكوب ماء . ياله من كابوس فظيع . ثم أخذ يتمتم : أعوذ بالله .

عاد إلى النافذة يتفحص الظلام الكثيف وتمنى لو مد يده لينزع ستار الليل المخيم فوقه وجال ببصره في السماء فلم يجد نجما واحدا يؤنس وحشته حتى القمر كان مختفيا خلف الغيوم ولم تبد منه سوى بقعة باهتة غامضة . القطار بسير ببطيء شديد . الرحلة طويلة مملة . وجوه الركاب بدت في عينيه كخيالات هلامية تتجمع معا تمتزج فيما بينها تتحول إلى كتل ضبابية لا معنى لها . أحاديثهم الصاخبة تتحول إلى همسات خافتة تختلط بصراخ عجلات القطار فوق القضبان فلم يتبين منها شيء .. بين الفينة والأخرى يستيقظ فجأة محدثا شهقة عالية تلفت إليه الأنظار ، وأحيانا يهذي بكلمات غير مفهومة ، أو ينتفض صائحا : مات

شعر أن العيون من حوله قد تركزت عليه فعاد ينظر خارج القطار من جديد .. الظلام كثيف ، عجلات القطار كأنها صرخات مكتومة لإنسان يحتضر ، الغيوم تنذر بهبوب عاصفة، في السماء أطلال قمر لم يبق منه سوى محاق ، مازالت المرأة التي فقدت زوجها تنوح ، وجوه الناس مصفرة ذابلة . وتمنى لو انقلب القطار ليتخلص من هذا الشعور الكئيب الذي استولى عليه ..

عاد يتذكر ابنه عندما كان يحمله بين يديه يهدهده يلاعبه يتلقفه بين ذراعيه يغمره بالقبلات ما أعذب ابتسامته وهو نائم . ما أجمل يديه الصغيرتين وهو يضعهما أسفل خده متوسدا إياها أخذ يتذكر عندما يعود من عمله مساء فيجلس معه يشاركه اللعب فتقول زوجته ساخرة :

- أعدت إلى أيام الطفولة يا محفوظ ؟

يرد ضاحكا :

- لقد أصبحنا جميعا أطفالا من أجل خاطر أحمد .

شعر برغبة قوية في البكاء فأخفى وجهه بين كفيه انسابت الدموع من عينيه غزيرة ساخنة كأنها حمم ثائرة خرجت من فوهة بركان .. ما أعجب الحياة . جئنا إليها لنسير منها ونبتعد عنها . جئنا لنفارق الأحبة وليفارقونا الأحباب ، ولنثكل أقرب الناس إلينا لتتمزق أفئدتنا وتذرف عيوننا مزيدا من الدمع . ليبكينا أناس آخرون يذرفون الدموع من أجلنا . أنا وحدي الذي أشعر بالعاصفة وهي تقترب . ما أقسى ذلك الشعور . شعور ما قبل العاصفة .

صاح به الرجل الذي يجلس بجواره وهو يربت على كتفه :

- حمدا لله على السلامة . لقد وصلنا .

دق قلبه . وصلنا . ترى ما الذي تخبئه اللحظات القادمة ..

كان الصباح ينشر خيوطه على صفحة السماء ، وبدأت الشمس تلقي بأولى أشعتها الذهبية ، الشوارع خالية من المارة وبالرغم من ذلك شعر بانقباض وضعف شديدين . راوده إحساس غامض وهو يخطو بقدميه في شارعهم . لم يسمع صراخا أو نحيبا . كل شيء صامت . أسرع الخطى يحدوه الأمل أن يجد ابنه . صعد الدرجات مسرعا . دفع الباب . البيت يموج بالناس جميعهم متشحون بالسواد . جمع من النسوة يلتففن حول زوجته التي تنتحب بشدة . أيقن على الفور كل شيء . انهار فوق أول مقعد صادفه وهو يجهش . ثم قام إلى زوجته :

- تحملي يا سعاد . هذا أمر الله . ما بأيدينا أن نفعله . هل نمنع القدر ؟

ربت على كتفها مواسيا . تمالك . قام بنفسه يستقبل المعزين . يشد على أيديهم . يتمتم بصوت خافت :

- أمر الله . أمر الله .

* نشرت هذه القصة لأول مرة في جريدة الأهرام في 1/4/1982
* نشرت ضمن المجموعة القصصية العمر خمس دقائق في سبتمبر 1991
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://salah-maaty59.ahlamontada.com
 
ما قبل العاصفة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع الكاتب صلاح معاطي :: الأدب :: قصص قصيرة-
انتقل الى: