موقع الكاتب صلاح معاطي
مرحبا أيها الزائر العزيز أنت الأن في نطاق موقع الروائي صلاح معاطي

موقع الكاتب صلاح معاطي

موقع يحتوي كتب واعمال الروائي صلاح معاطي
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول


















دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 0 عُضو متصل حالياً 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 0 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 24 بتاريخ الجمعة نوفمبر 29, 2013 6:18 am

شاطر | 
 

 رواية التوازن الحرج لمحمد نجيب مطر

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صلاح معاطي
Admin


عدد المساهمات : 103
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 21/08/2009
العمر : 59
الموقع : http://salahmaaty.maktoobblog.com

مُساهمةموضوع: رواية التوازن الحرج لمحمد نجيب مطر   الجمعة نوفمبر 22, 2013 3:42 pm

التوازن الحرج

استيقظ المهندس مجدي من النوم وصرخ بصوت عالي حتى أيقظ كل من كان البيت في نبرة مليئة بالفزع والرعب قائلاً :
ما هذا ؟ ما الذي يحدث !!! ؟؟؟ النجدة ، ما أكثر هذه الكائنات ؟؟؟ابتعدوا عني ... اتركوني .. لم أفعل لكم شيئاً اكي تعاقبوني عليه ... ابتعدي أيتها الحيوانات القذرة .... النجدة ... فلأحاول الهرب.. يا أهل الأرض أنقذونا من الهلاك المبين ؟؟؟ النجدة ... النجدة .... ما حدث لم يكن في الحسبان ، انفلتت الأمور من يدي دون أن أدري، لم أستطع السيطرة على الموقف، الله وحده يعلم أنني لم أكن أسعى إلى تلك المصيبة، فما نويت إلا الخير، لم أكن ادري أن ما فعلته سيجر الهلاك والوبال على البشرية، أنت وحدك يا الله تعلم أنني لم أقصد إلا الخير ، نعم .. نعم .. أعرف أن النية الطيبة وحدها لا تكفي وأعرف أن الطريق إلى جهنم مفروش بالنيات الطيبة، ما جنيته كان غير ما نويته، إنني حاولت الخير الذي انتهى إلى شر مستطير وخطر عظيم لا يمكن تداركه، نعم إذا كانت البداية خطأ فمن الخطأ أن تكون النهاية صواب ... اللهم أدركنا في هذا الموقف العصيب، فأنت وحدك القادر، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ... اللهم أدركنا ... النجدة .... لا لا .. أرجوكم .. اتركوني لكي أعيش.. انقذوني.
فزع أهل بيت وهرعت إليه زوجته الحنونة وأيقظته في لطف وقالت له : ما بك يا حبيب العمر ؟ نظر المهندس مجدي حوله في هلع ورعب اكتسيا وجهه وثبت عينيه على زوجته قائلاً :
ماذا حدث ؟ لماذا تجتمعون حولي ؟ ماذا يحدث في هذا البيت ؟
فقالت له اهدأ يا حبيبي يبدو أنك كنت تعاني في نومك من كابوس وأخذت تصرخ وتهذي بهمهمات غير مفهومة عن الخطر العظيم ..الرجوع ... والخطأ.. البشرية ، ماذا حدث لك يا حبيبي ، يبدو أنك أفرطت في طعام الغذاء وربما كان امتلاء المعدة سبباً في تلك الهلوسة .
صمت المهندس مجدي للحظات وركز عينيه على اللا شئ ، وسرح ببصره وقال :
كان حلماً عجيباً وغريباً ومريباً .. لم يكن كابوساً، إنها أفكاري التي تداعت إلى عقلي اللاواعي فاحتجبت عن المنظور المفضوح وتسربلت في منطقة اللا وعي من العقل الباطن لتتحول إلى طور آخر من التعبير الصوتي الذي ما يلبث أن يخرج من أوتار الحنجرة بعد أن تحدده حركة اللسان والشفتين.
قالت زوجته : ما هذا الذي تقول ! ؟ هل أصابك شئ، هل أصابتك الحمى؟ ما هذه الألفاظ التي أسمعها و لا أكاد أفهم منها شيئاً .. لا وعي ... باطن ... تسربلت .. طور .. إن جلوسك الطويل في المعمل وأمام الحاسب ربما أثرا على أعصابك وأتعبا عقلك .
نم يا حبيبي واسترح وأعط لجسدك وعقلك راحة حتى يمكنك الحياة والاستمرار في العطاء.
قال مجدي : الحمد لله ، اطمئنوا .. أنا بخير حال ولم يحدث لعقلي شيء ، إن ما حدث هو إشارة من الله العلي القدير، يهديني بها إلى الطريق القويم، لأنه أنار بصيرتي بهذا الحلم، فلقد صليت اليوم صلاة استخارة قبل النوم لأمر تاهت فيه الرؤى واختلطت فيه الأفهام .
قالت زوجته : لابد أن ذلك الأمر الذي أهمك له علاقة بالبحث الذي تقوم به، قل لي بالله عليك ؛ سألتك مراراً وتكراراً واستحلفتك بالله أن تطلعني على كنه العمل الذي تقوم به وما الهدف الذي تسعى عليه من كل ما تعمل؟ ولماذا يسبب هذا البحث كل هذا القلق والتوتر البادي عليك والذي تحاول جاهداً أن تخفيه عنا.؟ لقد أثر هذا القلق وانعكس على كل حياتنا، لقد قمت قبل ذلك بأعمال عظيمة وأبحاث خطيرة ومشاريع مهمة وحققت نتائج مذهلة وغير متوقعة، وكلل الله كل جهودك بالنجاح والتقدير إلا هذا البحث اللعين الذي لا أعرف كنهه والذي أربك حياتنا وأدخلك في دوامة من القلق الصامت والحيرة الساكنة، وعندما أسألك عنه تعطيني إجابات لا تروي من ظمأ و لا تشبع من جوع أو لا تجيبني بشيء على الإطلاق، وهنا تدخلت ابنته هيفاء وعلامات الخجل والارتباك والحيرة تبدو على وجهها قائلة :
والدي .. أرجو المعذرة فلقد دخلت معملك منذ يومين لأنظفه، واطلعت على بعض الأوراق والوثائق التي تصادف وجودها على المكتب أثناء ترتيبها، وقرأت ما فيها، وشاهدت بقايا من خلايا حية حيوانية ونباتية تحت المجهر، وأعتقد أن بعضها لخلايا عصبية ربما كانت لبعض الحيوانات الثديية أو ما شابه ذلك، بالإضافة إلى مزارع من البكتيريا والفطريات وبعض الكائنات المجهرية الغريبة الشكل والتكوين والتلوين، والأغرب من ذلك وجدت بعض الخلايا الجزعية موجودة على بعض الشرائح المعدة للفحص تحت المجهر، كما اكتشفت وجود بعض المكونات الإلكترونية الدقيقة موصلة بشكل غامض إلى بعض الخلايا ورغم أنني حاصلة على بكالوريوس العلوم – قسم البيولوجي إلا أنني لم أفهم شيئاً من كل ذلك، ولم أجد أي علاقة أو رابطة بين كل هذه الأشياء المتنوعة، فما الذي يربط بين المكونات الإلكترونية وبين الخلايا الحية؟
وما هي العلاقة بين الدوائر المتكاملة التي رأيت أبحاثاُ مستفيضة عندها وبين تلك المستعمرات الحيوية في تقاريرك ومخططاتك؟
وماذا يربط بين هذه الكائنات الحية براسم الموجات؟
وما تلك الومضات الضوئية العجيبة على الجهاز؟
وما تلك الرسوم المائلة على جهاز الرسم المغناطيسي؟
صرخت زوجته : ماذا ؟! كائنات حية، خلايا عصبية من حيوانات ثديية، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، هل يوجد في بيتنا مشرحة ؟؟ من أين أحضرت هذه الكائنات الحية والخلايا ؟ هل أخذتها من جثث الموتى ؟ من أين ؟؟ هل نبشت القبور وعبثت بأجساد الموتى ؟ هذا شيء لا يمكن السكوت عليه أبداً ، ماذا يحدث في هذا البيت ؟ هل انقلب إلى بيت تعشعش فيه الأرواح والأشباح و العفاريت كما يدعي أهل المنطقة .. أيكون كل ذلك حقيقة وأنا لا أدري ... استر يارب ، هذا شيء لا يطمئن أبداً ، كنت دائماً متوجسة مما تفعل هذه المرة .. لماذا ؟ لا أدري
قالت هيفاء : لا يا أمي ليس الأمر بهذا الشكل، الخلايا يمكن أن تؤخذ من أي حيوان حي أو ميت مثل الضفدعة أو الأرنب أو حتى من فئران التجارب .
قالت الزوجة : وهل تقطعون من لحوم الحيوانات وهي حية .
نظر المهندس باستغراب إلى زوجته ومط شفتيه في استياء ، فاستأنفت هيفاء الحديث :
لا يا أمي إنها مجرد عينات تؤخذ من بعض مكونات الكائن الحي ولا تضره وحتى إذا ضرته فإنه مجرد حيوان تجارب نستفيد منها في عمل تجاربنا من أجل فائدة الإنسانية وتخفيف آلامها.
نظر المهندس إلى زوجته نظرة قاسية فانقطعت عن الكلام وكتمت أنفاسها في خوف.
قال مجدي : انتهينا من هذا الكلام، أنا لست غاضباً منك يا ابنتي، فلقد تكتمت عنكم أبحاثي خوفاً من تسرب أخبارها، فأنت تعرفين جيداً أن لأمتنا أعداءً يتربصون بها الدوائر و لا يتورعون عن إجهاض كل محاولة علمية تخطوا بها إلى الأمام، و مسلسل جرائمهم البشعة ما زال مستمراً، من سميرة موسى في الولايات المتحدة إلى يحيى المشد في فرنسا إلى العالم سعيد بدير في الإسكندرية، كل ذلك دعاني إلى التكتم على أبحاثي خوفاً على حياتي وحياتكم، ولقد حان وقت المصارحة والمصالحة، ولكن ليس قبل أن تأتوني بولدي جمال الذي يتأجج شوقاً إلى معرفة سر أبحاثي، وإنه كما أخبرني على استعداد لدفع نصف عمره لمن يخبره بموضوع البحث الذي أعمل فيه .
قالت زوجته : ولماذا يضحي بنصف عمره، يعطيه الله الصحة والعافية ويطيل في عمره وعمرك، جمال في شقته بالدور العلوي من الفيللا مع زوجته وربما يكون نائماً ، فالساعة الآن الرابعة عصراً ، وربما يكون مجهداً من العمل ويحتاج إلى الراحة .
قال المهندس مجدي : اذهبي يا ابنتي وأيقظيه لصلاة العصر، وأنت يا زوجتي الطيبة ..
قاطعته الزوجة : آه .. آه لابد أنك تريد شيئاً، فأنت لا تثني عليّ إلا لشيء تطلبه، أنا تحت أمرك وطوع بنانك.
قال المهندس مجدي : لا يا حبيبتي فأنت الخير والبركة كل ما أطلبه هو إعداد فناجين القهوة لنا لتكون جاهزة بعد أداء صلاة العصر في المسجد القريب إن شاء الله.
في هذه الأثناء كان الدكتور جمال ابن المهندس مجدي يتحدث مع زوجته حديثاً مثيراً .
جمال : لا أدري ما الذي يفعله أبي بالضبط، إنه يربط بين أشياء لا يوجد رابط واضح بينها، إنه يدرس كثيراً في الأبحاث الخاصة بالدوائر المتكاملة والمعالجات الدقيقة وتفاصيلها وظروف عملها حتى يظن المرء أنه سيقوم بابتكار عناصر الكترونية جديدة، والأعجب من ذلك أنني أراه يتعمق في موضوع الخلايا الحية بكل تفاصيلها حتى يظن المرء أنه سيقوم باكتشاف جديد في علم الأحياء والتشريح البيولوجي، بالإضافة إلى كل ذلك فإنه يحاول دمج مكونات الكترونية في خلايا حيه، ثم يستخرج من الكمبيوتر منحنيات استجابة غريبة لها، وينكب على علم الهندسة الوراثية بكل ما فيه من تعقيدات ويصرف الأموال الطائلة من أجل شراء أجهزة دقيقة لا يوجد مثيل لها حتى في معامل البحث العلمي في الجامعات العامة أو الخاصة ، حتى أن الشركات التي تورد له الأجهزة بعثت من يحاول معرفة كنه الأبحاث الذي يقوم بها، إنه يقوم بعمل تغييرات في الصفات الوراثية للخلايا ويحصل على جيل جديد من الخلايا بصفات متطورة في اتجاهات مجهولة، والشيء الذي جذب انتباهي هو أنه يحاول تغيير استجابة هذه الخلايا لغرض في نفس يعقوب الله وحده يعلمه .
ما الذي يحاول الوصول إليه من ربط أشياء لا رابط بينها ؟ ماذا يريد أن يثبت ؟ أو ما الذي يريد أن يبرهن على وجوده؟ ما هو الجديد الذي يمكن استحداثه؟
أحياناً أشعر أنه أثناء وجوده في المعمل يكون شخصاُ آخر غريباً عني، ففي نظراته تحدي وصرامة وأحياناً قسوة، وفي صوته نبرات حادة وأوامر قاطعة وأذكر إنني كنت أساعده في الحصول على رقائق الذاكرة المتطايرة، وتأخرت عليه قليلاً، فنهرني بفظاظة لم أعهدها فيه، وكانت كلماته الغضبى كأنها أمواج بحر صاخب ترتطم بأرصفة ميناء صلبة .
أتخيل أحياناً أنه يتعامل مع كائنات غير مرئية، أشعر أحيانا بالرهبة عندما أنظر إليه وهو منهمك في عمله، أراه أحياناً يقوم بقياس موجات متناهية الصغر(مايكرويف (بعد أن يثبت في الخلايا الحية ما يشبه الهوائي، هل يحول الخلايا الحية إلى محطات إرسال أو استقبال لاسلكية ذكية؟ وماذا يرسل أو يستقبل؟ يا إلهي !! هل يتحول المرء إلى هوائي؟ ولمن يبعث تلك الموجات؟ أيحاول أن يرسلها إلى خلايا حية أخرى ليحفزها على فعل شيء ما؟ لا أدري ربما ... لا أدري .. يكاد عقلي ينفجر من التفكير فيما يفعل و لا أخفي عليك أنني أحياناً أحس بالخوف منه وعليه عندما أجد كائنات حية دقيقة تتجاوب مع تلك الموجات وتعمل في منظومة الكترونية، ما الذي يفعله والدي بالضبط ؟ لست أدري.
قالت له زوجته سعاد : ولماذا لم تسأله، إن عمي رجل لطيف جداً عكس ما تقول تماماً، وإنه حنون إلى درجة كبيرة، إنه رجل ودود ضحكته كالنسيم وصوته كالهمس، وهو يرى فيك امتداده، ويؤثرك بحبه وحنانه، لهذا لا أعتقد أنه سيمتنع عن إجابتك .
قال جمال : هذا صحيح فقط عندما يكون خارج المعمل، ولكنه أثناء عمله يكون متوتراً ومتحفزاً وكأنه في حالة دفاع عن النفس أمام هجوم وشيك من خصم لدود.
قالت سعاد : إن عمي عندما يفكر في شيء فإن ذلك الشيء يأخذ كل تفكيره فلا يرى في الكون سواه حتى إنه ينسى كل ما ومن حوله، ويركز كل تفكيره واهتمامه في عمله لدرجة تبعده عن الدنيا تماماً.
قال جمال : نعم إنه أحياناً كان ينسانا، ينسى ارتباطاته وضيوفه وكم من مرة تركنا نخرج وحدنا على أن يلحقنا، ونذهب ونقضي الساعات الطوال في الخارج وعندما نعود نجده على نفس هيئته التي كان عليها قبل خروجنا وعندما نسأله لماذا تأخر؟ يستوضحنا تأخرت عن ماذا؟ إنه ينسى حتى مواعيد أدويته، بل أنه أحياناً كان يستأذن من ضيوفه لقضاء حاجة له ثم يغيب عنا ونبحث عنه فنجده منكباً على عمله في معمله ونسي الضيوف الذين تركهم فيعود ليعتذر لهم فيجدهم قد انصرفوا غاضبين، ولهذا لم يعد لنا أصدقاء يقومون بزيارتنا، وكان لا يخرجه من المعمل إذا دخله إلا شيئان هما ...
قاطعته سعاد : الصلاة والطعام، فهو حينما يسمع الأذان يسأل عنك لتذهبا للصلاة في المسجد القريب، وعندما يقرصه الجوع يخرج ليسأل عن الطعام .
يضحك ويقول : أبي لا يمكنه أن يعمل ببطن خاوية، وهو لا يلتزم بمواعيد للغذاء، بل عندما يجوع في أي وقت بالليل أو بالنهار يطلب الطعام .
سعاد : ولكن لماذا لم تسأله عن بحثه حتى الآن ؟
جمال : لقد سألته مراراً وتكرارً عن ماهية العمل والهدف منه حتى يمكنني مشاركته ومساعدته، فأنا أحمل درجة الدكتوراة في الهندسة الطبية، ويمكنني مساعدته بالفعل ولكنه كان يقول إنه بحث طبي الكتروني وسيطلعني عليه فيما بعد .
سعاد : لا تقلق ، سيجد الوقت المناسب ويخبرك، ولكن ما الذي يقلقك من البحث؟ ربما كان يريد صنع أجهزة تعويضية لذوي الاحتياجات الخاصة بمساعدة الأجهزة الإلكترونية كما كان يفعل دائماً.
جمال: لا إنه كان يفعل ذلك في الماضي و له باع طويل في ذلك، ولقد كان يطلعني على هذه الأبحاث، ولو كان يفعل ذلك لعلمته، ولكن ما هي حاجته إلى البكتريا والفطريات، وتلك الخلايا الحيوانية والنباتية الغريبة .
سعاد : نعم نعم لقد تذكرت ، لقد طلب مني مساعدته بصفتي طبيبة توليد بمستشفى القصر العيني أن أحضر له الحبل السري لمشيمة أحد الأطفال حديثي الولادة .
جمال : ولماذا يحتاج إلى ذلك الحبل السري أو تلك المشيمة ؟
سعاد : و طلب مني المساعدة في استخلاص بعض الخلايا الجزعية .
قال جمال : الخلايا الجزعية؟ أعتقد أنني أعرف الكثير عن تلك الخلايا، ولكن لماذا هذا النوع بالذات من الخلايا؟
سعاد : لأنك تعرف أن هذه الخلايا يمكن أن تتحول إلى أي نوع من الخلايا المتخصصة، فيمكن مثلاً أن تتحول إلى خلايا كبدية بديلة للخلايا التالفة إذا تم حقنها في الطحال، ويمكن أن تتحول إلى خلايا عصبية إذا تم وضعها في المخ، وهي أمل البشرية في العلاجات الجديدة لأمراض الدم والقلب والكبد، والجسم لا يبني أجساماً مضادة لها إذا كانت لنفس الشخص.
جمال : أعرف بالفعل أن الخلايا الجزعية يمكن أن تكون مخزناً للمولود ينفعه حتى الممات.
سعاد : نعم ولقد تكونت في الخارج بنوك للخلايا الجزعية ليستفيد بها المولود فترة طويلة من حياته، فهي يمكن أن تعيش حتى 26 سنة.
جمال : وهل المشيمة أو الحبل السري الذي يربط بين الطفل وأمه هما المصدر الوحيد لهذه الخلايا؟
سعاد: يمكن أخذ هذه الخلايا من النخاع الشوكي بالعمود الفقري للشخص وتلك عملية صعبة.
جمال: وهل يمكن أن يستفيد بها أحد غير المولود؟
سعاد : يمكن أن يساعد بها إخوته وأبواه لتعويض أي تلف لخلايا في الجسم؟ ولكن ماذا يفعل والدك بهذه الخلايا وهو مهندس الكترونيات؟
جمال: هناك احتمالان، الأول أنه يحاول أن يزرع بعض الأجهزة الإلكترونية داخل الجسم البشري لتعويض نقص ما أو خلل ما في الجسد البشري، ولكن لو كان ذلك صحيحاً لوجدنا المكونات الإلكترونية هي الأساس في البحث ولكني أعتقد هنا أنها هامشية .
قالت سعاد: والاحتمال الثاني ما هو ؟
قال جمال: الاحتمال الثاني يا سيدتي يمكن .. أن يكون .. أنه يحاول .. أن يزرع خلايا حية داخل الدوائر الإلكترونية .. ماذا ... يا إلهي ! ماذا أقول إن ذلك ضرب من الجنون.. إنه المستحيل .. هل يريد أن يزرع الحياة في الأجهزة الإلكترونية .. رحماك يا إلهي .
وفي أثناء هذا الحديث المثير دق جرس الباب وفتحت زوجته سعاد الباب لتجد أخت زوجها جمال هيفاء تخبرهم بأن الوالد يطلب جمال فتسألها عن السبب فتخبرها أنه فقط يريد أن يتحدث معه فتسألها عن موضوع الحديث فتخبرها سعاد بنبرة لا تخلو من الضجر.
هيفاء: لماذا كل ذلك التساؤل وهذا القلق البادي على وجهك ، لا شيء يا أختاه إنه فقط يريد أن يحدثنا عن موضوع البحث الذي يجريه؟
فشهقت سعاد : البحث .. آه هل يمكنني الحضور معكم لسماع الحديث ؟ فتخبرها هيفاء أنها تعتقد أن أباها لن يمانع وخصوصاً أنها ساعدته في موضوع الخلايا الجذعية، وتطلب منها عدم التأخير فأمها تعد القهوة وأبيها ذهب إلى المسجد للصلاة ، وأخبرتها أن تخبر زوجها بأن يلحق مع والده صلاة العصر مع أبيه في المسجد القريب، وقالت لها أن الحديث سيكون في غرفة المكتب بجوار المعمل، وعليها ألا تتأخر حتى لا تبرد قهوة الأم اللذيذة.
عاد المهندس مجدي وابنه جمال من المسجد، واجتمع الجميع في غرفة المكتب وارتشفوا فناجين القهوة بسرعة وكأنهم يريدون أن يتخلصوا منها، ثم ران صمت ثقيل بدا كأنه دهر، ثم بدأ المهندس مجدي الكلام بعد أن امتقع وجهه وارتسم على محياه الجد، وأصبحت نظراته ثابتة ثاقبة وكأنه مقبل على دخول معركة شديدة الوطيس غير مضمونة النتائج، تجهمت أساريره وتغيرت نبرة صوته وهو يقول :
مجدي : اليوم سوف أطلعكم على موضوع البحث الذي شغلكم جميعاً، ولكني أطلب منكم جميعاً عدم إفشاء هذا الموضوع أو عن أي كلمة عنه لأي أحد مهما كان، لأنه في منتهى الخطورة، وربما يكون نشره سبب هلاكنا جميعاً.
نظر الجالسون إلى بعضهم البعض واستبد القلق بهم، وأكثر ما أرعبهم تلك النظرات المخيفة في عيون المهندس مجدي .
واستكمل المهندس مجدي كلامه :إنني أثق فيكم وفي حكمتكم، وفي حرصكم على أبحاثي و أسرارها، وذلك ما دعاني إلى الكشف عن موضوع البحث.
لقد قدمتم جميعاً لي المساعدة الصادقة، ولولاكم لما استطعت استكمال أبحاثي، ولقد أغنيتموني عن استخدام مساعدين آخرين، لم يكونوا ليعملوا بنصف جهدكم وإخلاصكم، فزوجتي وفرت لي الوقت والراحة وهي صاحبة الفضل فيما وصلنا إليه جميعاً، ابتسمت الزوجة ولكنها لم تستطع إخفاء قلقها، وابنتي صاحبة معمل التحاليل الدقيقة وفرت لي تحاليل دقيقة وممتازة موثوق بها، كما ساعدتني على عمل مزارع البكتريا وأبحاث الهندسة الوراثية، وابني جمال أمدني بكل المساعدة الهندسية المطلوبة في صنع الدوائر الإلكترونية وجمع الأبحاث من على شبكة الانترنت، كما وفرت لي زوجة ابني الخلايا الجذعية التي كنت في أشد الحاجة للحصول عليها .
لم يبدد هذا الكلام القلق في نفوس الجالسين فقد كانوا متلهفين على سماع الجزء الآخر من الحديث فنظروا إليه وكأنهم يستعجلونه، استكمل المهندس مجدي كلامه : لقد كونتم معي فريقاً ممتازاً للعمل، يعمل بإخلاص وبجد وتفاني من أجل إنجاز عمل لا تدرون عنه شيئاً .
إن البحث الذي قمت به يندرج تحت ما يسمى بالتكنولوجيا البيولوجية، وموضوع البحث هو ....
قاطعه ابنه جمال : آه لقد تذكرت تلك الأوراق التي طبعتها من على شبكة الانترنت التي كانت تتحدث عن هذه التكنولوجيا .
قالت هيفاء: أعتقد أنني قرأت شيئاً عن ذلك في المجلات العلمية الحديثة ربما في مجلة العلوم الأمريكية أو مجلة الطبيعة الأوروربية، أعتقد أن ذلك الموضوع يرتبط بمحاولة صنع عناصر الكترونية بواسطة الكيمياء العضوية أو الحيوية .
قال المهندس مجدي: ما تقولونه صحيحاً، ولكني أطلب منكم ألا تقاطعوني مرة أخرى، لأنه ليس لدينا وقت، ولدينا عمل لابد أن نقوم به قبل أن .....
وقطع حديثه فجأة ونظر إلى من حوله وكأنه تذكر شيئاً خطيراً فاته، ثم قال وهو يتلفت حوله وكأنه يرى الحاضرين للمرة الأولى : المهم لقد كان بحثي في مجال إنتاج العناصر الإلكترونية من الخلايا الحية، لقد طمحت في البداية في استبدال بعض الرقائق الإلكترونية الصغيرة بخلايا حية تقوم بنفس عملها، ولقد أمضيت سبع سنوات عصيبة أحاول فيها الوصول إلى ما أريد، ولقد تطلب ذلك مني عملاً دؤوباً في استعراض آخر الأبحاث في علم الإلكترونيات وعلم الأحياء والهندسة الوراثية والكائنات الدقيقة، ولقد جربت كل أنواع الخلايا الحية المستنبطة من الخلايا الجذعية باستخدام الأنزيمات المطلوبة، وكذلك الخلايا العصبية وكل أنواع البكتريا والفطريات والخلايا النباتية، وبدأت في دراسة استجابات هذه الخلايا على راسم الموجات، ثم قارنت بينها وبين استجابات العناصر الإلكترونية مثل الترانسستور، ثم اخترت الخلايا التي تكون استجاباتها أقرب لهذه العناصر، وبدأت في التركيز على تعديل استجاباتها بطريقة تدريجية بالاستعانة بأبحاث الهندسة الوراثية، واستنسخت من الخلايا الجديدة خلايا أخرى لأقترب أكثر من تحقيق الحلم، لعل كلامي يبدو من الناحية النظرية عقيماً، ولكن سأبسط لكم الأمر .
تعرفون أن الخلايا الحية تحاط بغشاء ثم سائل يسمى السيتوبلازم يحتوي على بعض الجسيمات التي تمد الخلية بالبروتين والطاقة والتكاثر، وتعرفون أيضاً أن الغشاء الذي يحيط بالسيتوبلازم هو غشاء اختياري أي أن له القدرة على السماح لبعض الأشياء المفيدة من دخول الخلية ويمنع الأشياء الضارة من الدخول، كذلك فإنه يسمح للمواد الضارة بالخروج من الخلية ولكنه لا يسمح بخروج المواد المفيدة، تلك قدرة الله سبحانه وتعالى في خلقه وتبارك الله أعظم الخالقين، كما تعرفون أيضاً أن الخلايا كلها توجد في سائل خلوي يقارب تكوينه الكيميائي تكوين مياه البحر، المهم هنا أن الغشاء السيتوبلازمي يفصل بين سائلين، السائل الخلوي من ناحية، ومن الناحية الأخرى السيتوبلازم، وهذان السائلان يحتويان على تركيزات مختلفة من الأملاح والأيونات، فالنتيجة الطبيعية أن يحاول السائلان مساواة تركيزهما .
قالت هيفاء : معذرة يا والدي لنبسط الأمر، هل يشبه ذلك ما يحدث إذا وضعنا قليل من الملح في حفرة فإنه سرعان ما يتجمع الماء حولها .
تجاهل المهندس مجدي التعليق وحدج في هيفاء بنظرة عاتبة وأكمل :
ونتيجة لذلك يحدث تبادل بين أيونات السائلان ينتج عنه فرق جهد على الخلية يقدر بحوالي 90 ميللي فولت، هذا الكلام معروف لكل من يدرس الكيمياء الحيوية أو الأحياء أو حتى الهندسة الطبية.
لن أطيل عليكم، لو تخيلنا أن ألف خلية قد تراصوا معا ليكونوا مربع طول ضلعه واحد ميللي متر فإن هذه الخلايا تصنع بطارية صغيرة تحمل جهداً يساوي90 فولت، أي عظمة تلك، بطارية من الخلايا مساحتها واحد ميللي متر مربع تعطينا مصدر قدرة جهده 90 فولت، تلك كانت نقطة البداية، لقد وفرت مصدر القدرة من خلايا تأخذ حيزاً صغيراً جداً بالنسبة للمحولات الكهربائية والثنائيات ودوائر تنظيم الجهد التي كانت تأخذ مساحة من أي جهاز الكتروني تقدر بـ 15×15 سم مربع.
وبعدها قمت بتطوير صفات أنواع أخرى من البكتريا تقوم بتقطيع بعضاً من هذا الجهد فحصلت على جهد متغير أخذت منه النبضات الرقمية التي أحتاجها من الخلايا الحية، ثم تطور البحث فنجحت في صنع المكونات الالكترونية الأخرى من الخلايا الحيه.
اكتسبت ثقة كبيرة بعد كل هذا النجاح الذي أخفيته عن كل الأنظار، وكانت العقدة التي استهلكت مني الكثير من البحث هو عمل مكبر من الخلايا الحية.
اندفعت في العمل حتى كانت النتائج تفوق ما توقعت، فصنعت أول دائرة الكترونية كاملة من الخلايا الحية المتنوعة بعد ستة أشهر فقط واستخدمت الخلايا العصبية في التوصيل بديلاً للكابلات الكهربية، وفي الشهر الماضي فقط تمكنت من صنع دوائر المعالجات الدقيقة (الميكروبروسسور) بنفس الطريقة .
قاطعه ابنه دكتور الالكترونيات معتذراً لكي يخبر الآخرين أن المعالج هو قطعة مربعة الشكل يبلغ طول ضلعها حوالي 5 سم وتتكون من ملايين القطع الإلكترونية المترابطة مثل الترانسستورات والموحدات والمقاومات والمكثفات، وتمثل العقل أو المخ بالنسبة للحاسبات الآلية .
وهنا أكمل المهندس مجدي حديثه إلى الجميع موجهاً نظرة صارمة إلى ولده كأنه يحذره من مقاطعته مرة أخرى .
ومنذ الشهر الماضي وحتى أمس فقط ، تمكنت من صناعة أول حاسب آلي من الخلايا الحية، وصنعت قشرته الخارجية من الخلايا النباتية الحية، وربطت كل أجزاء الحاسب ببعضها جاعلاً المعالج المركز الرئيسي للعمليات.
وفي النهاية اكتمل بناء حاسب كامل من الخلايا الحية، وبدأت في العمل عليه، ما أروعه، شيء رائع أن تتعامل مع جهاز حي بمعنى الكلمة، أنا لم أخلق الحياة ولكن الله وهب الحياة للخلايا وأنا استخدمت هذه الخلايا بما فيها من أسرار الحياة التي أودعها الله فيها جلت حكمته .
نظر الجميع إلى بعضهم البعض، في وجوم وخوف وترقب وشك، واعتقد جمال أن أباه قد مسه الجنون، وكادت ابنته أن تجهش بالبكاء حزناً على أبيها، ونظرت زوجته في هلع إليه وهو يتكلم بمنتهى العشق والحب بالكائن الجديد.
حاول جمال أن يتحدث فنهره والده وقال لو سمحتم لا تقاطعوني، ظللت طوال الليالي الماضية أعمل على الحاسب وجربت عليه كل العمليات الحسابية وحملته ببرامج التطبيقات ولغات البرمجة وبرامج الرسوم، فوجدته يتجاوب بسرعة وصداقة حميمة، كنت أقدم له الغذاء السهل هواء وماء وكربون فيعمل دون إمداده بأي مصدر للطاقة، وكان الغذاء متوافراً له بصورة جيده .
وعشت أياماً طويلة أحلم بالمجد الذي سوف يكون، المجد العلمي الذي سيسجله التاريخ لأول محاولة ناجحة لعمل كمبيوتر حي بمعنى الكلمة، وبالمجد الأدبي لبلدي مصر التي طالما أعطت للدنيا كل المعاني السامية والعلم المفيد، لقد حلمت بتطبيقات عديدة ومتنوعة لما توصلت إليه، وكيف سيكون بمثابة الثورة في كل العلوم البيولوجية والطبية والهندسية، إنه بداية عصر جديد لحقبة علمية جديدة تحدث انقلاباً للمفاهيم ويعيد صياغة العديد من النظريات السابقة، وتعيد ترتيب تقدم الدول وتخلفها لنحتل نحن مركز الريادة في هذا الفرع الجديد من العلم .
ولكني لاحظت شيئاً قلب كل شيء إلى نقيضه، قلب فرحتي إلى بؤس، لقد بدأت الخلايا الحية في الانقسام، وذلك يعني التوالد، أي أن الحاسب سيبدأ في التناسل وذلك لم يدر بخلدي أبداً .
إن أي كائن حي تحكمه عدة غرائز من أهمها الحفاظ على النوع ويتم ذلك من خلال التناسل، ولم يتطرق هذا الموضوع إلى عقلي رغم أنه منطقي وحقيقي، فأصغر خلية حية لها نظامها الخاص في التكاثر والتناسل .
فقطعت عنه الغذاء إلا بالقدر اليسير الذي لا يتيح له طاقة كافية للتناسل، وداهمني شعور بالخوف من مستقبل تلك التقنية، وحاولت تهدئة نفسي من الوساوس فقرأت بعض آيات من الذكر الحكيم، وصليت صلاة استخارة على ما أنا مقدم عليه، لأنني بين خيارين الأول المجد العلمي والأدبي والمادي لي ولأولادي وأحفادي من بعدي، والثاني هو فتح المجال لمخاطر كبيرة على البشرية والإنسانية كلها .
قاطعته الزوجة: لا أرى أي مشكلة أو مخاطر فليتناسل الحاسب إنه أفضل من مصانع التجميع التي تنتج ملايين الأجهزة في اليوم، بالعكس لقد ضمنت أجهزة جديدة يومياً وكأنك تصنعها من جديد.
ردت سعاد بسرعة : لا يا حماتي العزيزة، إن ما يمكن أن يحدثه ذلك الشيء لو صح كلام عمي.. فنظر إليها مجدي بغضب فاستطردت قائلة وأعتقد انه صحيح سيتناسل كل ساعتين على أقصى تقدير فكل ساعتين سيولد كائن جديد يعني ذلك أنه في اليوم الواحد سيكون هناك اثني عشر كائناً، في الشهر ثلاثمائة وستون وفي السنة 360×12 . أكثر من ثلاث ألاف في السنة
فقال جمال مقاطعاً زوجة ابنه : الحساب بهذه الطريقة خطأ، فإن ذلك الشيء ستتناسل بمتسلسلة هندسية، بمعنى أن في الساعتين الأولى سيكون هناك كائنين، وفي الساعتين التاليتين سيكون هناك أربعة أجهزة، لأن الجهاز الجديد سيتناسل، وبعد ست ساعات فقط سيكون لدينا ثمان أجهزة، وبعد ثمان ساعات سيكون لدينا ستة عشر جهازاً .... وهكذا.
قالت هيفاء بسرعة : يا إلهي إن ذلك يعني أننا في كل ساعتين على أقصى تقدير سيتضاعف عدد الأجهزة.
قال جمال: إن ذلك يعني أنه في خلال سنة واحدة يمكن لتلك الكائنات أن تتكاثر على الأرض وأن تزاحم الإنسان في الحصول على موارد الأرض بل يمكن أن تسبقه إليها لأنها الأسرع في التنفيذ والأدق في الحسابات .
قال مجدي: وذلك ما أخافه .
قالت زوجته : ولماذا لم تحاول إيقاف ذلك بمنع الطعام عنه إلا بالقدر اليسير الذي يتيح له العمل فقط
قال مجدي: إن الخطر يأتي من أن ذلك الكائن يقوم ببناء خبرته الخاصة، لقد كنت أقدم له الطعام في صورة كربون بسيط، ثم ذات يوم وضعت له السكر فقام بتكسير السكر وتحويله إلى كربون بسيط وامتصه، إنه يطور نفسه بالشكل الذي يحبه ويقوم بالتأقلم مع أوضاعه المعيشية بصورة مذهلة، لقد أصبحت مفاتيح الأحرف في لوحة المفاتيح أصابع طويلة وما تكاد تلمس أصابعه أو أياديه حتى يستجيب بسرعة مذهلة.
كنت أفكر في كيفية تسجيل هذا الاختراع الذي سيقلب الدنيا رأساً على عقب، لقد وفرت آلية جديدة تعتمد على البناء الحيوي للمكونات الالكترونية بناء لا يحتاج إلي طاقة كهربية ولا نفطية، بناء طبيعي نظيف صديق للبيئة، لكن كان هناك هاجساً يلح عليّ من الداخل فيحيل الفرحة إلى قلق، إنني أعلم أني دخلت في منطقة صعبة إن لم تكن محظورة، ومهما اتخذت فيها من احتياطات فالعواقب غير مأمونة، فالتدخل في عالم الأحياء أمر لا تضمن نتائجه، لذلك فقد توخيت أكثر درجات الحذر واتسمت قياساتي بالدقة وعدم إهمال أي نتائج جانبية مهما كانت تافهة، ولضمان المصداقية كنت أكرر التجربة عدة مرات وفي ظروف مختلفة لأحصل على نفس النتائج، لقد كنت كمن يسير على الحبل وهو ممسك بعصا بيديه وفوق رأسه كرة، كنت أتتبع المنهج لعلمي الصارم واتبع قوانينه بمنتهى الدقة والأمانة، كنت أدرس تأثير كل عامل من عوامل التأثير على هذا الكائن على حدة، ثم أقوم بجمع كل هذه العوامل وألاحظ التداخل في التأثيرات على الواقع بعد أن اكون قد استنتجته من تداخل منحنيات الاستجابة لكل عامل على حدة، كانت عملية حيوية هندسية طبية رياضية معقدة، كنت أفكر أن وقت التعب والسهر قد انتهى وحان وقت الحصاد، كان كل ما يخيفني ويشغلني هو كيفية الخروج بهذا الاختراع إلى الناس والمؤسسات العلمية في مصر وفي العالم، لقد أعددت النتائج والأوراق والقراءات بصورة علمية وفق أحدث أساليب البحث العلمي ولا يمكن لأي باحث منصف أن يجد ثغرة في هذا البحث العلمي المضني، كنت أخاف من الروتين الذي يضرب بجذوره في كل قوانين الدولة وحتى في قضايا البحث العلمي، إني أعرف أن أعداء النجاح منتشرون في كل مكان وهم على أتم الاستعداد أن يهدموا أي بناء يشذ عن المألوف، لقد كانت الطريق ميسرة أمامي عندما عرضت عليّ أحد الشركات متعددة الجنسيات رعاية أبحاثي والصرف عليها في مقابل أن يتم نشر هذه الأبحاث تحت اسم الشركة، لقد كانوا لا يعرفون بالضبط ماذا أفعل ولكنهم كانوا يتعجبون من نوعية الأجهزة التي أقوم بشرائها لنفسي، لقد كانوا يعرفون أن تلك الأجهزة لا تستخدم إلا في الأبحاث المعقدة التي يقوم بها فريق من ذوي الخبرة والعلم في مجالات الهندسة الطبية والبيولوجية والهندسة الوراثية، لذلك كانوا يتوقعون مفاجأة، لقد عرضوا على حمايتهم والمقابل المادي والاحتفال العلمي شريطة أن يتم كل ذلك تحت عباءتهم وأن يظهر الاختراع كجزء من أبحاث الشركة وستقوم الشركة بتسويق أي منتج لي على حساب الشركة وتخصيصي بنسبة طيبة من الأرباح لا يمكن لأي عاقل رفضه، أنا لا أريد المال فالأمور المالية والحمد لله طيبة، أما الشهرة فإنني زاهد فيها فلقد خلقت كي أكون دائماً في الصفوف الخلفية، لا أجيد العمل تحت الأضواء والشهرة فإن الأضواء تعطل العالم الحقيقي عن علمه، العالم لا يجيد غير العلم ولا يتكلم إلا عنه، و لا يجد السعادة في الأضواء والشهرة بل يجدها في تحقيق النتائج وربطها بببعضها للوصول إلى جديد أو على الأقل لتعليل قديم أو تعديل فهمه، إنه يأمل أن يتم الإعلان عن هذا الاختراع من هنا من القاهرة، ليعرف الناس في بلده كم هم متميزون وليتأكدوا بأنهم مثل أي شعب وأي أمة على قدم المساواة مع كل البشر لهم عقول وأفهام مثلهم تماماَ، وأنهم قادرون على الاسهام كغيرهم بنصيب وافر في الحضارة الإنسانية ، وأنهم ليسوا مستهلكين فقط للحضارة بل أنهم يمكن ان يكونوا من أهم صناعها، الإنسان هو الإنسان معجزة الله في الكون، فيه من كل شئ شئ، وفي كل شئ منه شئ، الانسان الذي كرمه الله مهما كان لونه أو دينه أو جنسه، فنفخ فيه من روحه وفضله عن كثير مما خلق تفضيلاً، إني أريد تأصيل النقلة الحضارية في نفوس أبناء وطني، أريد استثمار التأثير الذي سيحدثه هذا الاختراع في نفوس البشر هنا، الناس هنا في حاجة إلى صدمة حضارية لكي يفيقوا ويثقوا في قدراتهم ويعودوا كما كان أجدادهم حملة لمشعل الحضارة والرقي في الكون كله، بما فيه الإنسان، حضارة لها قلب تحنو على الضعيف وتحترم الأقوياء، إنه يريد أن يكون قدوة لأبناء جيله والأجيال التالية، ليكون العلم والابتكار هو حلم الأطفال وشغل الشباب، ليخرج من هذا الوطن شباباً يعيدون تشكيل الحياة، إن الناس في وطنه معذورون فضغوط الحياة المادية والمعنوية وغياب القدوة الصالحة ألهتهم عن كل شئ، فصاروا من سئ إلى أسوأ، إنهم فقط يحتاجون إلى الثقة في النفس والإحساس بالقدرة على التغيير، إن أكثر ما يصيب الأمم من تخلف يكون بسبب فقد الثقة بالنفس والاحساس بعدم القدرة على التغيير فيدخل الإحباط من كل حدب وصوب فتهبط الهمم وتقل الدوافع وتصبح الأعمال مجرد وظائف أو سبوبة للحياة لا أكثر و لا أقل، كانت تلك الأفكار تهاجمني بعد خروجي من المسجد بعد صلاة الظهر وأنا في طريقي إلى المعمل
سكت المهندس مجدي برهة وكأنه يستجمع شتات أفكاره ، ثم استكمل قائلاً :
إني أحس أن هذا الكائن يتفاعل ويتبادل معي العواطف فعندما أذهب إليه وألمسه أحس فيه بحركة تدل على الغبطة وعندما أتركه ألاحظ حركة عنيفة كأنه يعترض على خروجي، إنه ليس جهاز حاسب آلي فحسب، إنه كائن يشعر ويبني خبرته الذاتية التي ستقوده يوماً إلى التصرف بحرية عنا وعن الآخرين وسيجد الحلول المناسبة لحياته، لأن لكل كائن حي الرغبة في البقاء وكراهية الفناء، فدخلت المعمل فوجدت الجهاز أو الكائن في منتهي الغضب، كأنه يريد مني أن أظل معه و لا أتركه، وكأنه طفل رضيع تركته أمه لفترة وعادت إليه، حاولت العمل على الجهاز ولكنه لم يكن في حالة طبيعية، كان ينفذ الأوامر بكل كسل ويأخذ وقتاً أطول، فزدت له في الغذاء قليلاً ، فلاحظت مرة أخرى بداية أنشطة الانقسام في الخلايا، فقللت مرة أخرى من الطعام فتكاسل مرة أخرى عن العمل، فعلمت أنه يبتزني لكي أعطيه الغذاء الكافي للتناسل.
المهم بعد عودتي من صلاة الظهر وعند اقترابي من المعمل
قال جمال : لقد كنت متجهماً جداً يا أبي، وكنت لا ترد عليّ وأنا أبادلك الحديث في طريق الذهاب والعودة.
سمعت همهمة غريبة، فتح الجميع أعينهم من الدهشة وصدرت شهقة مكتومة من زوجته، إنها همهمات تشبه الأصوات التي يصدرها المولودون حديثاً، وأنا تعودت إغلاق المعمل فمن عساه يكون في المعمل، فتحت الباب في حذر ودخلت بهدوء فسكتت أصوات الهمهمات وكأنهم أطفال عرفوا بحضور أبيهم وساد الصمت المكان فنظرت حولي وكدت أسقط مغشياً عليّ من هول ما رأيت.
قالت زوجته : بالله عليك ماذا وجدت؟
فضربها زوجها بنظرة حادة قاسية أصابتها في مقتل فألجمت لسانها وأشارت بيدها وكأنها تعتذر عن المقاطعة.
لقد رأيت كمبيوتر آخر يشبه الكمبيوتر القديم تماماً، وكأنه نسخة طبق الأصل من الكبيوتر القديم، وكانت الهمهمات تخرج من السماعات الخاصة بالكمبيوتر الجديد، فسألت نفسي ما الذي حدث هل يمكن أن يتكاثر هذا الكائن تكاثراً لا جنسياً كبعض النباتات، لأنه لا يمتلك أعضاء خاصة بالتكاثر فلجأ إلى التكاثر بانقسام الخلايا كما يحدث في البكتيريا وحيدة الخلية، يا إلهي كيف حدث ذلك وكيف لم يضع هذا الاحتمال في حساباته، إن قانون الحياة يخلق في المخلوقات غريزة البقاء أو الحفاظ على النوع ووسيلة هذه الوسيلة هو التكاثر، لماذا استبعد هذا الاحتمال رغم وجاهته ، لماذا لم يفكر في هذا الاتجاه رغم تسلسله ومنطقيته، كل ما قمت به أنني صنعت مكونات الكترونية من الخلايا الحية وجمعتها مع بعضها للقيام بمهام محددة ولم أفكر بقضية الحياة في حد ذاتها، فالحياة هي تطور من ماضي إلى حاضر إلى مستقبل، جلست في المعمل ونظرت إلى المخلوق الجديد إنه مثل الآخر تماماً غير أن هناك بعض التغيير في شكل أزرار لوحة المفاتيح فلقد استطالت قليلاً إلى الخارج، وعندما حاولت الكتابة عليها لاحظت أنها تعمل بمجرد اقتراب أصابعي منها وحتى قبل أن ألمسها، كما أحسست بأنها تلامس أصابعي في حنان واضح، وعندما حاولت إبعاد أحد الحاسبين عن الأخر لاحظت هبوط في أداء الحاسبين معاً، و لا يعودا لسابق عهدهما إلا بعد الاقتراب من بعضهما البعض، خرجت من المعمل وبدأت في إعادة حساسباتي مرة أخرى، فلقد ظهرت عوامل جديدة لم تكن في الحسبان وستملي علي هذه العوامل ظروفاً جديدة لابد من أخذها في الاعتبار، هذه المشكلة الجديدة ربما كانت طريقاً سهلاً لجني الأرباح فها هي الأجهزة تنسخ نفسها وكل ما تريد لإكمال هذا الاستنساخ توفير المكان المناسب والغذاء البسيط والحرارة، وكلها عوامل من السهل توفيرها، ولكنه عاد يتساءل ما هي فترة الحضانة لهذا الكائن أي الفترة التي يمكن للجهاز فيها أن يستكمل دورته وينقسم منتجاً جهازاً جديداً، كيف يستدعي الشركات العالمية والمؤسسات العلمية الوطنية والدولية ويشرح لها اختراعه وهو لا يدري ما هي الفترة الي يمكن للجهاز فيها أن ينقسم إلى جهازين، وربما يحدث ذلك أثناء المؤتمر الصحفي، وامتلأت رأسي بالأفكار المتناقضة بين الفرح بكثرة الأجهزة وبين الخوف من اللا متوقع، إني أخاف دائماً من المجهول الغير متوقع، أخاف من الذي لا أعرفه و لا يمكنني توقعه، وكانت لي مقولة شهيرة ، أواجه الأسد الذي أراه أمامي و لا أخافه لأني أعرفه وأعرف مواضع قوته ومواضع ضعفه، ولكني أخاف وأرتعد من الفأر الذي قد يكون خلفي، و لا أراه ولا أستعد له، وها هو المجهول يقفز أمامي في تلك الفترة الحاسمة من البحث، جلست في غرفتي حوالي الساعتين أفكر فيما ذكرت لكم، ثم حاولت أن أنام ولكن النوم طار من عيني، وعدت إلى المعمل وعند اقترابي منه سمعت همهمات عديدة، نظرت من ثقب الباب فتجمد الدم في عروقي ، فلقد رأيت جهازان جديدان، أي في ساعتين فقط تضاعف العدد، فتحت الباب بحذر انقطعت الهمهمة، تفحصت الجهازان الجديدان فوجدت ظهور طفرات جديدة لم تكن في الحسبان، فلقد اندمجت لوحة المفاتيح مع الشاشة واستطالت قاعدة الشاشة فأصبحت كقدم عريضة، والعجيب أنها كانت تتحرك بطريقة عجيبة إذ تتحرك القاعدة إلى اليمين قليلاً ثم إلى اليسار فتتحرك إلى الأمام وتفعل العكس فتعود إلى الخلف، قلت يا إلهي إنها لعنة دارون، الطفرات كيف يمكننا أن نتوقع ما يحدث بسبب الطفرات عند الانقسام ، وإلى أي مدى تتمكن هذه الطفرات من التكيف مع الواقع، وبالتالي تسود وتبقى وتندثر الأصول التي لم تحدث بها هذه الطفرات، إنها مخاطرة لا يمكن إدراك عواقبها، نعلم منها الظواهر السهلة ولكننا لا نعرف ابداً نهايتها، كيف يمكن وقف عملية التكاثر والانقسام، لأن الطفرة تأتي بغير المتوقع ولهذا فإنني لن أتمكن من توقع ما لا يمكن توقعه، والعدد يزيد من بمرور الوقت فكل ساعتين سيتضاعف العدد فالأربعة سيصبحوا ثمانية بعد ساعتين فقط، وفي كل عملية انقسام توجد احتمالات للطفرة، فهذه الطفرة جعلت للكمبيوتر قدماً وغداً ستظهر طفرات أخرى ربما ستصبح له يد، وعلى مر الأيام والطفرات يمكن لهذا المخلوق أن يتطور وأن يصبح أفضل في بعض المواصفات عن الإنسان، لأن الحاسب أسرع في الحسابات والتصميم والدقة اكثر من الإنسان، إنها آلة سريعة ودقيقة ولكنها حية، وبالتالي بزيادة اعدادها يمكن أن تتفوق على الإنسان بل يمكن ان تستعبده، لأن الأقوى يستعبد دائماً من هو دونه،
إننا نولد صغاراً ثم نكبر مع زيادة العمر حتى نصبح يافعين ثم نكبر لتدركنا الشيخوخة والهرم ويعترينا الضعف ثم نموت، دورة حياتية تبدأ بالضعف ثم القوة ثم الضعف والموت، لكن الحياة عندما بدأت على الأرض لم تكن كلك، لقد بدأت بمخلوق واحد ضعيف يتكون من خلية واحدة كانت تسبح في البرك والمستنقعات ولم تكن تموت كما نموت، كانت هذه الخلية لا تموت إلا بفعل خارجي مثل جفاف المستنقع أو انتهاء الغذاء أو التهامه من قبل مخلوق آخر، أما الموت كما نعرفه فلم يكن يحدث له، كان هذا المخلوق عندما يكبر ينقسم ويصبح مخلوقين كل منهما طفل ، ثم يكبر كل واحد منهما حتى يصل إلى حجم معين ثم ينقسما فيصبحان أربعة ثم ثمانية في متوالية حسابية بلا موت و لا فناء إلا بحادث وما زال ها حال الميكروبات حتى الآن، لا شيخوخة و لا ضعف و لا موت، وكانت الخلية الواحدة تقاوم كل الأحداث التي تحيط بها، فكانت تتجرثم في حالة الضرورة فتحيط نفسها بغلاف سميك تعيش داخله وتتجول إلى جرثومه لا يؤثر فيها الجفاف ولا الحر الشديد و لا البرودة المميتة، فقد تم العثور على جراثيم تحت الجليد في القطب الشمالي متجرثمة في أكياسها من عشرات الألوف من السنوات وفي بعض المناجم عثر على جراثيم تعود إلى أكثر من مليون عام وأمكن زرع تلك الجراثيم وإعادتها إلى الحياة، لتلك الدرجة استطاعت الخلية الوحيدة الأولى أن تقاوم الموت بل وأن تهزمه، وكانت تلك الخلية تقوم بكل الوظائف المطلوبة للحياة، فيتحور جزء منها على شكل أهداب للحركة ويتحور جزء آخر على شكل تجويف لهضم الطعام وفقاعة هوائية تقوم بدور الكلية لطرد الماء الزائد، وظلت تلك التحورات في الارتقاء في الشكل والقوة مع احتفاظ الخلية بانفرادها وحياتها في عزلة عن الآخرين، ثم بدأت الخلايا المتفرقة تتجمع في مجموعات ثم بدأت في التلاصق والارتباط وتتحول إلى نسيج متعدد الخلايا.
ثم بدأت ظاهرة جديدة تظهر في النسيج متعدد الخلايا هي ظاهرة التخصص، بمعنى أن كل مجموعة من الخلايا أصبحت تختص بنوع وحيد من النشاط، فتلك المجموعة تختص بالحركة وأخرى تختص بالإخراج وأخيرة تختص بالهضم، ثم حدثت الخطيئة الكبرى حينما طور الكائن مجموعة من الخلايا خاصة بالتناسل فقد أصبح الكائن الحي من تلك اللحظة كائناَ مؤقتاً فقد أصبح مجرد ناقل للصفات الوراثية، مجرد وسيط يحمل الحيوانات المنوية أو البويضات يقوم بنقلها وغرسها في عملية التلقيح وينتهي دوره ويصبح عبئاً على الحياة يأكل ويشرب بدون مهمة يؤديها للحياة، ومن تلك اللحظة بدأ الموت في حصد تلك الكائنات المتخصصة واغتيالها بالضعف والشيخوخة بصورة تكون سريعة أحياناً فحشرة ما قد تستغرق عدة سنوات في طور نموها حتى تصل لمرحلة البلوغ ثم تموت بعد يوم واحد من بلوغها بعد التلقيح الأول لها أي يوم زفافها، بتلك الطريقة الشديد القسوة تستغني الحياة عمن انتهت مهمتهم فيها .
كان الموت ضريبة الجنس وظهر بظهور التنوع بين الأفراد إلي نوعين مختلفين، فالإنسان سقط من الخلود إلى الفناء، نزل من جنة الخلد إلى جحيم الدنيا والفناء بسبب بحثه عن الخلود وكان بين يديه، ولكن الكائن الجديد ها هو يتكاثر بلا جنس، أي أنه نجا من الموت والشيخوخة وبتوافر الطعام لن يشيخ ولن يموت بل سيظل في خلود مقيم إلا أن تغتاله عوامل خارجية لأنه سيستمر في التكاثر بلا شيخوخة وبلا ضعف بل سيعود أقوى مما كان ولن يمكن للإنسان مجاراته في التناسل وفي الحياة، وسيظهر الكائن على الإنسان وسيزداد في فترة قصيرة وسيسود، وربما يستعبد الإنسان ويستخدمه خادماً له، كما نسنخدم نحن الحمير والأحصنة وربما الكلاب.
إنها مشكلة تسببت فيها بدون قصد، ولكن هذا الخطر لا يمكن تداركه إلا بالتخلص من المشكلة في مهدها، إن الحل هو قتل تلك المخلوقات بمنتهى السرعة قبل استفحال أمرها، ولكن هل قتل الكائن الحي لمجرد أنه سيتكاثر بلا أي ذنب اقترفه أو جريمة ارتكبها حلال أم حرام .
وبعد ذلك خرجت إليكم وتناولت طعام الغذاء وذهبت إلى غرفة النوم، ونمت فوجدت في الحلم ذلك الكائن يتوالد بصورة عنيفة وملأ البيت كله بكائنات على شاكلته حتى امتلأ المعمل وتقدموا نحوي في غرفة النوم وأحاطوا بي من كل جانب، ومدوا أصابعهم من لوحات المفاتيح وبدأوا في الضغط على عنقي طالبين الغذاء، فصرخت وسمعت صوتاً يتلوا في صوت لا يخلو من وعيد ﴿ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس لنذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ ، وسمعت آيات من الذكر الحكيم ﴿ والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط و لا تخسروا الميزان﴾ ، فصرخت وفعلت ما رأيتم .
أيقنت ساعتها بالخطأ والخطر وواجهت نفسي بشجاعة، لقد خلق الله الخلق في نظام متوازن ودقيق، لتسير منظومة الحياة إلى غايتها، فالجميع يكسب الحياة في دورة لا تضل و لا تخطأ ، فالحشائش تخرج من الأرض تأكلها الماشية ليأكلها الإنسان أو الحيوان، ثم يموت ليتحول إلى تراب وتتحلل عناصره في التربة وتتخللها ليمتصها البنات، وهكذا هي دورة الحياة، وأي إخلال بذلك التوازن سوف يكون وبالاً على الحياة كلها، هل تتذكرون عندما كنا في العريش الصيف الماضي، لقد عانينا كثيراً من قناديل البحر ومنعتنا من الاستمتاع بالسباحة رغم روعة الشاطئ ونعومة الرمال، هل تدرون لماذا؟ لأن ترسة البحر التي تتغذى على القناديل قلت أعدادها بصورة كبيرة نتيجة للصيد الجائر لها، أو كما يقول الآخرون بسبب إنشاء ميناء على الجانب الإسرائيلي لوث المنطقة فماتت ترسة البحر لأنها حساسة للتلوث، فلم تجد القناديل من يأكلها فكانت وبالاً على الحياة البحرية في تلك المنطقة .
إن نظام التوازن الذي استخلف الله الإنسان فيه، هو الذي يصلح هذه الأرض التي نحيا فيها، وأي تدخل غير مدروس
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://salah-maaty59.ahlamontada.com
 
رواية التوازن الحرج لمحمد نجيب مطر
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع الكاتب صلاح معاطي :: الأدب :: إبداعات الأعضاء-
انتقل الى: