موقع الكاتب صلاح معاطي
مرحبا أيها الزائر العزيز أنت الأن في نطاق موقع الروائي صلاح معاطي

موقع الكاتب صلاح معاطي

موقع يحتوي كتب واعمال الروائي صلاح معاطي
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول


















دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 24 بتاريخ الجمعة نوفمبر 29, 2013 6:18 am

شاطر | 
 

 قصة الطحلب بقلم رائد أدب الخيال العلمي نهاد شريف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صلاح معاطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 102
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 21/08/2009
العمر : 58
الموقع : http://salahmaaty.maktoobblog.com

مُساهمةموضوع: قصة الطحلب بقلم رائد أدب الخيال العلمي نهاد شريف   السبت نوفمبر 23, 2013 2:37 pm

الطحلب..
انطلق الرجل القصير القامة، يغوص مندفعًا بين صفين متقابلين من الأعشاب الغليظة قاتمة الاخضرار.. تتبعه عن بعد بضع سمكات متطفلة من أسماك "القاروص الأرقط"، وقد غطى وجهه بقناع الرئة المائية، وحمل أنبوب أكسيجين ضخمة ينوء بها ظهره، في حين لف وسطه بحزام عريض.. تتدلى منه سكين ذات نصل حاد، ويتسلح بحربة طويلة في يده..
لمحت عين الرجل، من خلف واجهة القناع الزجاجية، حبَّارًا صغيرًا ينكمش على أكمة رملية بين سيقان الأعشاب، فمد حربته يداعبه بوخزة خفيفة، جعلت الحبار ينفث سحابة كثيفة من حبره الداكن، ليفر خلالها.
وفي نهاية صفي الأعشاب، برزت صخرة مرجانية شاهقة، بدت - وهو يدور حولها - وكأنها قلعة حربية من قلاع العصور الوسطى، تتلألأ بعشرات الأضواء والألوان.. ومن بين شقوق المرجان وسيقانه النقية البياض، كانت تبرز آلاف العيون، تراقب الوافد الدخيل في صمت وتوجس..
بغتة.. انكسر القاع قبالته، ليكشف عن أخدود وطيء تغلفه عتمة باهتة، فألقى الرجل القصير بجسده، يهبط الهوينى وسط هالة من جدائل الأشعة الصفراء الرفيعة، حتى استقرت قدماه على الأرض الرملية الرخوة، وغاصت فيها إلى الكعبين.. وأجال عينيه متفحصًا، لكن.. فيما عدا كرة أو كرتين من حيوان الإسفنج، وبضع محارات فضية، ونجمة بحر تتعثر فوق الرمال بوهن شديد، لم يلحظ الرجل شيئًا ذا بال على مرمى بصره.. وتقدم يخطو في تثاقل أكثر على صفحة الرمال، تسبقه حربته، في حين خلف وراءه ذيلًا طويلًا من فقاعات الهواء المتصاعدة.. وقابله سرب كثيف من أسماك "البوري"، وهي تنساب في دعة وتوازٍ بأجسامها الأسطوانية المزدانة بخطوط زرقاء وخضراء ورمادية.. وتلاه سرب آخر من أسماك "رنجة الصابوغة"، وسرب ثالث من أسماك "الأنشوجة" ذات الفم البارز.. ثم لمح سلحفاة بحرية تسبح متكاسلة، ومن ورائها بدت مجموعة من نباتات العشب الثعباني.. وفيما وراء النباتات، اتضحت الهوة، على غير انتظار، تفتح فاهًا مظلمًا، وكأنه فوهة بركان يقبع على سطح القمر..
كانت الهوة باتساع عدة أمتار، وكانت صخرية الجدران، ملساء تغطيها طبقة رقيقة من حيوانات "البلانكتون" المجهرية الخضراء.. لكنها لم تك عميقة القاع..
حين أطل الرجل القصير - برأسه المغلف بقناع الغوص - من علٍ، استطاع برغم الظلمة السادرة أن يرى في أعماق الهوة النبات الداكن يشغل ركنًا بأكمله.. وقفز دون تردد، ليتسمر مبهورًا حيال قدرة الخالق وسمو إبداعه.. فعلى العمق البعيد من سطح البحر، شاهد أجمل ما وقعت عليه عيناه.. شاهده يقبع في مهابة وجلال ورِفعة، وقد ثبت جذوره القوية في نتوء صخري، وامتدت أوراقه الحمراء العريضة، والمثنَّاة الحواف، في شكل مروحة أو هرم مدرج متناسق التكوين..
كان أشبه بوحش خرافي، خضبته الدماء القانية، ومع ذلك بدا حلوًا رائع القسمات.. وكادت ذاكرة الرجل أن تخونه في المبدأ، فيختلط عليه الأمر.. ولكنه سرعان ما تأكد من أنه بإزاء طحلب "الماكروسيستس بريفرا"، وهو نوع عملاق من الطحالب البنية، التي تكوِّن ما يعرف بغابات الأعماق في أعالي المحيطات.. كانت بحق شجرة فريدة من هذا الطحلب، الذي يندر وجوده على الشواطئ المصرية.. وبلا أقل تفكير، جذب الرجل القصير سكينه من غمدها، وانحنى في لهفة يخلص الجذور البيضاء من مكمنها في الصخرة، ثم يحتضن النبات الثقيل الوزن بكلتا يديه، ويسارع بالارتفاع به إلى سطح الماء.
  
- يا للأسى يا بكري!.. ما هذه البقع التي تلطخ السجادة؟.. وما الذي تلقي به في نهاية البهو؟
حاول بكري أن يفتح فمه:
- إنني لست سوى منفذ للتعليمات يا سيدتي.
لكن الصوت الرفيع الحاد، المنبعث من أعلى السلم الخشبي، طغى على نبراته الخافتة في أسفل:
- أنت سائق السيارة.. والأستاذ هو الذي أمرك بإدخال ذلك الشيء إلى هنا.. ولكن ألم أنبه مرارًا إلى عدم جلب القاذورات إلى داخل الفيلا.
اعترض بكري في أدب:
- إن النبات محمول في وعاء، والوعاء...
فقاطعه صوتها وهو يثقب أذنيه في إصرار:
- مع كلٍّ، فقد تسبب في اتساخ السجادة، وركن البهو.. وكذا السلم الخارجي.. ولا أدري ما الذي سيتسخ بدوره؟
ثم بدا وكأن نغمة مبحوحة تتعالى من اتجاه باب الفيلا الرئيس، المزدان بألواح عريضة من البلور المموه الثمين:
- هوني عليك.. البقع مصدرها مياه عادية، سرعان ما تجف..
تطلعت السيدة الواقفة بأعلى، من خلف عويناتها السميكة، في اتجاه الرجل المنضغط القامة، والمستدير الوجه مثل وجوه الأطفال، على الرغم من شاربه الرفيع المعتنى بتشذيبه أفقيًّا، فرأته يلتقط كرسيًّا يلقي عليه بجسده في تحدٍّ، وقد برزت خصلات الشعر الكثيف من فتحة الصدر بقميصه، وبطول ساقيه وقد انحسر عنهما ساقا السروال بعناية..
- آه، هذا أنت يا عزيزي.. اسمع يا أدهم.. سواء نتجت البقع عن مياه أو عن غيرها، فإن كل ما يعنيني هو نظافة بيتي.. أما ما تجلبه من قواقع وأشجار وحيوانات لتجري عليها تجاربك التي أجهلها، فليس مكانها هنا.. في البهو، أو الحجرات..
انتصب الرجل واقفًا وقد كسا وجهه شيء من التفاؤل، وقال وهو يومئ إلى النبات المكوم بركن البهو:
- إنك لم تري بعد ما جلبته من أعماق البحر.
أومأت السيدة، وهي تضم ثنايا الثوب الحريري على جسدها البدين:
- بل أرى الشجرة من مكاني بوضوح...
رسم ابتسامة مرحة على شفتيه:
- هي ليست شجرة بمعنى الكلمة.. إنه طحلب، التقطته من مكان يقابل شاطئ المكس القديم...
اتضح التقزز في انكماش قسماتها:
- طحلب؟!
- أجل.. كائن مائي ينمو على أعماق متفاوتة من سطح البحر.. ألا يوحي مظهره بالقوة.. بالسمو.. لقد كان معجزة أن أعثر عليه في ذلك المكان بالذات، على عمق اثني عشر مترًا فحسب، فإن نوعه نادر الوجود في البحر المتوسط.. بل في البحار عادة، لأن موطنه المحيطات.. حيث المياه المفتوحة الصاخبة على الدوام، والتيارات المحملة بالزبد وبالعناصر المجهرية الدقيقة، وحيث...
غير أن السيدة أشاحت بوجهها، وهي تشير إلى الطحلب في ازدراء، وتمتمت محدثة السائق من أنفها بلامبالاة، وكأنها قد أعطت زوجها أكثر مما تستطيع من وقتها:
- والآن يا بكري، ألقِ به في القبو..
قالتها وهي تمد ساقها البضة، تهبط ما تبقى من درجات السلم.. وحين أكملت الهبوط، عبرت البهو مارة أمام زوجها يكسوها وقار مصطنع، إلى أن توارت في حجرة جانبية، بعد أن خلفت وراءها نفحة من عطر البنفسج الثقيل.. في حين احتضن بكري الوعاء وبه الطحلب، واستدار في صمت آخذًا طريقه إلى القبو.. يتبعه سيده مستكينًا، وقد اعتراه شيء من الرثاء لها..
  
لم تكن المرة الأولى التي يقابل فيها أدهم راشد بجفاء زوجته، فقد تعود منذ زواجه منها - منذ أكثر من ثلاثين عامًا مضت - على أعصابها الخربة، المشدودة بمناسبة وبلا مناسبة.. صحيح أنها كانت لا تدخر جهدًا في الحنوِّ عليه، والسهر على راحته، وطالما حثته ووقفت بجواره خلال رحلة حياتهما معًا.. حتى زوَّجا ابنتهما "ألفت" من ذلك المهندس الشاب، واستطاعا أن يلحقا ابنهما الأصغر "عبد الحميد" بوظيفة مرموقة عقب عودته من دراسته الأكاديمية بالخارج.
غير أنها كانت تضع فيلّتها في المقام الأول من إعزازها، وتحرص أشد الحرص على نظافتها وترتيبها وتزيينها، بصورة تصل إلى الإفراط دوامًا.. وقد زاد انغماسها في شؤون الفيلا، وزادت حدتها في رعاية مهامها خلال العامين الأخيرين، لدرجة الشكوى والاحتجاج إزاء أقل بادرة تعكر صفوها.. وبالذات مما يجلبه هو من نماذج نباتية وحيوانية - سواء حية أو على شكل حفرية - تعينه في أبحاثه العلمية التي يشغل بها معظم وقته.. لكنه لم يضق باعتراضاتها على الإطلاق، فالسبب الكامن وراء سلوكها - في تقديره - هو تركه لوظيفته كأستاذ بمعهد بحوث أعماق البحار، وإحالته إلى المعاش بعد بلوغه الستين من عمره، الأمر الذي بات يذكِّرها - في نفس الوقت - أنها قد قاربت هذه السن الحرجة فهي تصغره بأعوام ثلاثة..
- هل أضع الطحلب داخل حوض الزجاج الكبير يا سيدي؟
من بين أفكاره أجاب السائق:
- بل دعه مكانه، فإنه لن يعمِّر على أي الحالات..
- إن سيقانه وأفرعه تبدو متماسكة..
- لكنها عاجلًا ما تذبل، فالطحلب لن يقاوم طويلًا اختلاف الضغط الجوي بعد انتزاعه من عالمه البحري..
وغادر السائق القبو، تاركًا إياه لوحدته، وسط نباتاته، وحيوانات تجاربه، وأجهزة معمله المنفرة الشكل في معظمها.. وكاد أدهم أن ينزلق مرة أخرى مع دوامة أفكاره المتلاحقة، لولا أنه سارع بانتشال مشاعره من جمودها، وهب يعد مجموعة من المحاليل والغازات ثقيلة القوام، ليجري بها بعض التجارب على الطحلب الجاثم قبالته في سكون.. وحين انتهى من بحثه، تناول كراسة صغيرة راح يدون فيها كلمات روتينية..
"28 مايو 1964
كانت حصيلة اليوم من البحر - في منطقة الصخور المرجانية، على بعد الكيلومتر من شاطئ المكس القديم - مفاجأة ضخمة لي.. فقد عثرت على طحلب عملاق، من نوع "الماكروسيستس بريفرا" يقبع عميقًا تحت سطح البحر باثني عشر مترًا، فأسرعت أحمله إلى معملي بالفيلا لأتفحصه ولأجري ما يعن لي من تجارب عليه.. إن الحصول على مثل هذا الطحلب العملاق مناسبة لن تتكرر، لندرة وجوده بمناطق البحر الأبيض المتوسط.. والطحلب الذي جلبته له مثانة مركزية ضخمة، تنتشر منها أوراق مطاطية عريضة، وسيقان عددتها فوجدتها 23 ساقًا، يبلغ أطولها ما يزيد على الأربعة أمتار.. وأما أسفل المثانة المعروقة من الخارج، فقد امتد جذر رئيس مفلطح، يحيط به العديد من الجذور الثانوية الماصَّة.
ولون أوراق الطحلب هو البني القاتم، أما السيقان فيغلب عليها البني الفاتح.. المشوب بالأخضر الزيتوني.. وأما المثانة والجذور فهي بيضاء في لون الجير.
وموطن هذا الطحلب هو أعالي المحيطات، وبخاصة المحيط الهادي، حيث ينمو مكونًا طبقات متراكمة بطول سواحله، حتى يصل إلى أقصى الشمال البارد في ألاسكا، وهو من نفس العائلة من الطحالب التي يستخدم الإسكيمو وسكان جزر المحيط الهادي سيقانها كقصب للصيد، كما يصنعون منها نوعًا من الدقيق يُخبز على هيئة أقراص غنية بالفيتامينات والبروتين.. إلى جانب طهي أوراقه بعد تجفيفها.. في صور متعددة من الحساء، لها نكهة الكرنب".
في اليوم التالي، دوَّن في صفحة مجاورة من صفحات الكراسة، ما يلي:
"29 مايو 1964
كان تقديري بالأمس أن الطحلب لن يعمر لأكثر من يوم، إزاء اختلاف الضغط الجوي بارتفاع يزيد على 18 مترًا - هي فرق المسافة بين مكمنه تحت سطح البحر، ومرقده الحالي، حيث يقبع قبالتي في قبو الفيلا - كان تقديري أن الطحلب لن يعمر لأكثر من 24 ساعة.. ولكن - لدهشتي البالغة - طالعني لدى تفقده صبيحة اليوم، بمظهره المهيب، وهو لا يزال محتفظًا بمعظم حيويته الظاهرة.. لذلك فقد عجلت بإغراق نصفه السفلي - المتضمن مثانته وجذوره - داخل صندوق بلوري كبير ملأته بماء البحر المالح، بعد إضافة مزيج مختار من العقاقير والمواد الغذائية المناسبة.
وهأنذا في انتظار النتيجة، يراودني أمل غامض".
  
على أن نوبة عابرة من نوبات ضغط الدم حالت دون تفقُّد "أدهم راشد" تجربته على الطحلب العنيد، وموالاتها بالرعاية اللازمة.. وحين هبط بعد غيبة أسبوع إلى القبو، وقد استرد بعضًا من عافيته، كانت الحقيقة الضخمة في انتظاره، تفوق كل ما يحيطها من هواء مكتوم، ورطوبة، وروائح عفنة تزكم الأنوف.. فقد طالعه الطحلب بكامل بهائه، صحيحًا، زاهي الألوان، تمتلئ أفرعه وأوراقه العريضة بالعصارة المتدفقة.. إذن فالنبات البحري النادر لم يهلك بالرغم من جميع تقديراته.. وإذن فهو بإزاء أندر الفرص التي قلما تتاح لباحث ضليع، كي يدرس خلالها - وعلى الطبيعة - واحدًا من أقدم وأغرب المخلوقات التي عرفها كوكب الأرض..
اندفعت الدماء ملتهبة في شرايين الدكتور أدهم.. لتثير الحماس والتحفز الكامنين في أعماقه.. ولاشعوريًّا، وجد نفسه ينزع سترة منامته البنية ويرتدي بدلًا منها معطفًا أبيض، وقد هيأ مشاعره وحصر أفكاره في أحب المهام لديه.. على أنه - وقد هم بإغلاق باب القبو من الداخل - تناهى إليه صوت ابنه الغليظ، الشبيه بأوتار قيثارة غير مشدودة، يأتيه مدويًا من الطابق الأول بالفيلا:
- أهو بالقبو حقًّا؟
أجاب الخادم بالإيجاب..
- لكنه لا يزال مريضًا.. فكيف يتسلل إلى ذلك المكان المعبَّق بالرطوبة؟
- هل أخطره بسؤالك عنه يا سيدي؟
لم يرد الابن، وإنما تعالت خطواته تهبط السلم، قاصدة القبو وقد اتضح من بطئها ثقل البدن الذي تحمله قدماه.. لقد كان الابن صورة من رشاقة أمه...
- أما زلت مرتديًا منامتك يا أبي؟
- إنه سروال المنامة، وفوقه معطف المعمل كما ترى..
تمتم الابن متملقًا:
- لكنك لم تتناول إفطارًا، ألا ترى أن الوقت لا يزال مبكرًا على هبوطك إلى هنا؟
- لدي عمل مهم.. بحث علمي أجريه على طحلب بحري..
- ماذا؟.. طحلب؟!
لم يلق الأب التفاتًا إلى نظرة الدهشة التي بدت في عيني ابنه وإنما تابع كلامه الجاف:
- كنت سأهم بإغلاق باب المعمل علي، لأبدأ في تجربة، حين سمعت صوتك تبحث عني.. والآن، ماذا تريد؟
سعل الابن ثم فرك يديه أسفل كرشه البارز الذي لم يكن يتناسب مع الأربعة والعشرين عامًا، التي أوشك أن يكملها.. وأخيرًا، قال في صوت حاول أن يخفف من غلظته:
- جئت لأذكرك بموعدنا مع أسرة خطيبتي، للذهاب معهم إلى الصاغة.. ألم نتفق على تحديد اليوم موعدًا لشراء الشبكة؟
- أنا لم أتفق، ولم أحدد..
- أمي هي التي اتفقت معهم..
- فلتصحبهم هي!
وأصر الابن:
- إن الباشا، والد خطيبتي، سيجيء معنا.. لذلك فلا بد من حضورك أنت..
- لا أستطيع.. آسف، فلدي عمل مهم لا مفر من أن أنتهي منه أولًا.. ولنؤجل موعدك للغد.
ومن بعيد، من أعلى.. ربما من أعماق الطابق العلوي بالفيلا وُجِّه صاروخ مباشر إليه تفجر عن كلمات آمرة:
- ليس هناك ما هو أهم من مستقبل ابنك يا عزيزي أدهم.. ولتصعد حالًا، فالوقت لم يعد متسعًا!
كاد أن يقذف بابنه إلى خارج القبو، وهم أن يصيح في زوجته موبِّخًا إياها على كلماتها التي تتسم بالغباء دون شك، خاصة وهي تبرز أهمية شراء "شبكة" على إجراء التجربة.. وحين راح يصعد في أعقاب ابنه، كان يؤكد لنفسه - ربما للمرة المائة بعد الألف - بأنه لن يسمح لهما بتعطيل أبحاثه بعد اليوم، وأنه لن يجيب رغباتهما في المرة القادمة، مهما بدر منهما من إصرار ومن صفاقة.. ولا سيما أن التجربة على الطحلب الفريد ضرورية، ومهمة، وواجبة لأقصى الحدود.
ظن الدكتور أدهم راشد، وقد لفَّته شبه إغفاءة والسيارة المرسيدس الضخمة تنساب بقيادة ابنه، في طريق عودتها إلى فيلّتهم بحي "جليمو نوبلو"، بعد أن ودعا الخطيبة المتيبسة القوام، وأباها الباشا الذي فقد ثروته خلال إحدى نزوات القمار، فلم يعد يحمل من مقومات اللقب غير ما كان له من مظهر معنوي فارغ.. ظن أن الأمر انتهى بشراء الشبكة العتيدة لخطيبة ابنه، وأنه في النهاية سيلقى الفرصة ليخلو إلى طحلبه النادر، فيجري عليه أبحاثه، معوضًا كل ما فاته من وقت ثمين تبدد بسبب حبه الزائد لأفراد أسرته..
غير أنه فوجئ عقب وصوله بعائق جديد.. لقد هبطت الفيلا ابنته وزوجها مع أبنائهما الثلاثة.. ومع دوامة الاحتفاء بمقدم الابنة - التي طال غيابها في منطقة السد العالي - وضوضاء صغارها الذين لا يكفون عن الحركة، وحفل خِطبة الابن، حيث قدم الشبكة رسميًّا، وسهرات الأهل والأصهار والأصدقاء احتفالًا بمناسبات أخرى وبلا مناسبات، تباعدت فرص الانفراد بالطحلب.. وبالتالي، تضاءلت الآمال العراض المعقودة على ما سيجريه عليه من تجارب وأبحاث ودراسات.. ورويدًا رويدًا، بات غاية ما يقوم بأدائه الرجل المنضغط القامة - الدكتور أدهم راشد - هو مجرد مراقبة سطحية للنبتة العملاقة، وتسجيل مخلص لعمليات النمو المطردة، التي بدأت تظهر في وضوح على الأطراف الثلاثة عشر للطحلب، وعلى أوراقه الجديدة التي راحت تشمخ مزهوَّة بألوانها الحمراء الداكنة، وقد ازدادت أحجامها حتى قاربت آذان الأفيال في اتساعها.. على أن أكثر الأشياء إثارة لحنقه، كان ذلك الحنوّ المبالغ فيه، والذي يقابل به من سكان الفيلا.. من الزوجة.. ومن الابن الشاب.. والابنة.. وزوجها.. وصغارها.. بل حتى الخدم، وعلى رأسهم الطاهي العجوز، لم تكن كلماتهم له تخلو من لمسات تدليل ورثاء لا تتفق ومكانته.. فلِمَ كل هذه العواطف الحانية تجاهه.. وبمثل هذا الإسراف؟!.. أتراهم يتآمرون عليه.. وعلى طاقاته وإمكانياته في المجال العلمي؟.. على قبس المعرفة الذي يغمره، ويغذي خلاياه العقلية ويجدد شبابه الذهني؟.. على خواطره الثورية، التي تبحث عن المجهول من أجل المستقبل البشري؟.. أم تراهم - بصريح العبارة - قد توقعوا نهاية حتمية لقدراته كإنسان مفكر، بخروجه على المعاش؟
  
في أعقاب ليلة صاخبة، سهرت فيها الفيلا إلى قرابة الفجر، انهارت الحواجز تحت وطأة ضغوط عنيفة لا تكل.. وتدفق السيل عارمًا، يجتاح كل ما يعترضه.. ومن أعماق تمزقه النفسي، انبثقت السانحة فغطت على بقية أفكاره واكتسحت مشاعره ووجدانه، لتغرق كيانه بأكمله.
أجل.. لا مناص من أن يضع حدًّا للذي يجري حوله.. أن يوقف تدخلهم في خصوصياته، ويريهم قدره الفعلي ومدى سيطرته على كيانه ووجوده.
وهكذا قرر - في النهاية - أن يتفرغ للطحلب تفرغًا كليًّا، أن يستأنف تجاربه عليه دون أي عائق أو حائل، مهما يكن.
- إلى أين تراك ذاهبًا يا أبي؟.. وعلام التقطيبة المخيفة التي تكسو وجهك؟
قالتها ابنته في صوتها الموسيقي، وهي تتبع خطاه عبر باب الحجرة التي خصصت لها، وقد نطقت عيناها الزرقاوان بومضة حنان لا تخلو من السخرية.. إن ابنته هي الأكثر شبهًا به من أخيها، فلها نفس ملامحه وطباعه.. ونفس مزاجه.. وهي الأقرب من الناس أجمعين إلى فؤاده.. ولكن منذ تزوجت وأنجبت زمرة الأولاد، اهتزت مكانتها لديه، وأصبحت أكثر بعدًا عن دنياه..
أجابها في لهجة خلت من المعاني، وهو يأخذ طريقه إلى القبو:
- إنني هابط إلى معملي.
- إلى الطحلب؟
- تمامًا.. ولن يستطيع أحد منكم أن يقطع علي خلوتي هذه المرة، مهما فعل..
حاولت الابنة أن تعترض طريقه.. مذكرة إياه بموعد سابق له.. وجاءه ابنه غليظًا منفِّرًا وهو يؤكد كلمات أخته المتضرعة السخيفة... ثم تعالى أيضًا صوت الأم حنونًا، آمرًا..كعادته...
وأصم أذنيه عن كافة النداءات والتضرعات.. وفي برود متحدٍّ، شق مساره إلى أسفل وأغلق باب القبو وراءه بكلتا يديه، وكأنه بفعلته يقتل عدوًّا يخشى الاستسلام لضرباته.
بداخل القبو أضاء الكهرباء.. واستدار نحو الطحلب، وقد خلا لهما الزمان والمكان نهائيًّا، وحين التقط أنفاسه، وحدق في سيقان الطحلب الفارعة، وكساؤها يلمع تحت ضياء الكهرباء.. استطاع أن يميز نموها المتزايد، وتضاعف عددها ليتعذر إحصاؤها بالعين المجردة.. كما لاحظ أن سمك الساق الواحدة، قد بلغ سمك قبضة يده..
لقد نما الطحلب العملاق لتزحم أطرافه وأوراقه ثلاثة أرباع القبو، شاغلة ما يقارب في المساحة ستة من الأمتار المربعة، بارتفاع المتر أو يزيد.. حتى طاولة المحاليل والزجاجات والمكثفات الكيميائية، لم تسلم من بضع سيقان تستقر فوقها، تلتف حول رجل من أرجلها الخشبية القصيرة.. على أن الرجل - أدهم راشد - أستاذ الكيميائيات ومدير قسم الكيمياء البيولوجية بمعهد بحوث أعماق البحار - سابقًا - سرعان ما قطع صلته بكل ما يدور خارج جدران القبو، وشمَّر عن ساعديه، ليندمج في سلسلة متصلة من التجارب المحمومة الشاقة على الطحلب.
ومر الوقت دون أن يحفل به.. وأوغلت الساعات في مسار الزمن، وهو مشغول بكافة ما يكمن في أعماقه من حسٍّ ومشاعر.. في حين تضاعفت الطاقة التي يبذلها عشرات المرات عن ذي قبل..
ثم على غير انتظار، سمع همسًا.. تناهى إلى أذنيه صوت خافت مألوف، ليستقر في ذرا روحه.. وبدا الصوت ناعسًا، صدئًا، يأتيه من غور بعيد.. سحيق.. وقد انمحت أبعاده، واختلطت نغماته... لكنه كان آسرًا لا يقاوم..
واحتواه الصوت، وهو صاغر لا يملك المقاومة:
- "أدهم... أدهم.. يا دكتور.. يا أستاذ الكيميائيات.. يا أدهم راشد.. العالم النابغة.. التفت نحوي.. انظر إلي.."
بغت الرجل.. تلفت في حيرة، وقد خيل إليه أن الهمس يتسلل إليه عبر شقوق خفية بواحد من جدران القبو الأربعة.. ولكن أيها؟!
- "يا أدهم راشد، لا تندهش.. إنه أنا الطحلب أناديك.. الطحلب الذي انتزعته قسرًا من أعماق مملكته السحرية.. لكن، هل تعرف حقًّا أي من الطحالب أنا؟.. لقد توصلتَ إلى اسمي العلمي، فهل تراك توصلت أيضًا إلى حقيقة أصلي، وكيفية نشأتي.. إلى مبلغ جبروتي وسطوتي؟"
تمتم أدهم وقد تركزت عيناه المذعورتان في اتجاه الطحلب:
- أعرف الكثير عنك..
- "بل إن معلوماتك بالقطع قليلة، سطحية، وغير مستوفاة.. صدقني يا دكتور، إنك لا تعرف إلا أقل القليل".
- وما الذي تعوزني معرفته؟
تحركت أذرع الطحلب المطاطية في موجات بطيئة، فيها خبث البحر وغدره، تجمعت في النهاية قرب مثانته البيضاء المنتفخة في كثير من الزهو.. وتمايلت ورقتان دانيتان، بأعلى المثانة في كبرياء ظاهرة.. ثم جاء الهمس:
- "أنا طحلب الماكروسيستس بريفرا، سيد عمالقة المحيطات بلا منازع، فهل بلغك كذلك أنني أقدم المخلوقات، وأول من اختلج بطفرة الحياة على وجه الكرة الأرضية؟.. إن مبدأ نشأتي يرجع إلى بعيد، إلى زمن سحيق ينأى بمئات الأعوام عن عمر الأرض.. هي في أرجح التقديرات بليون عام!.. حينما ظهرت المواد العضوية البدائية مثل الهيدروكربونات والسيانيدات.. ثم اندمجت جزيئاتها، لتكون جزيئات أكبر وأكثر تعقيدًا، حولت ما تسبح فيه من مياه البحار والمحيطات الأولية إلى محلول غروي تثقله المعلقات التي تولدت منها في النهاية مادة الكلوروفيل الخضراء.. وأصبح الكلوروفيل غذاء أول مخلوق بدائي حي، نتج عن اتحاد المواد المركبة الشبيهة بالبروتين، فكان أن اصطبغ المخلوق الحي بالخضرة، خلال نموه وانتشاره السريع، في مساحات المياه الشاسعة، الدائمة الفوران.. ليُعرف فيما بعد مرور الأزمنة والأحقاب.. بالطحلب".
تلاشى الصوت الهامس برهة.. عادت أذرع الطحلب تتمدد في اتجاه الدكتور الواقف مسمَّرًا مشدوهًا.. وتقلصت، عرتها رجفة لثوان، ثم قبعت واستكانت على جانبيه..
- "هكذا ترى يا دكتور أدهم، أن الطحالب الخضراء التي كانت تعيش عصر ما قبل التاريخ، هي أسلاف كافة النباتات الخضراء، بل هي كذلك أسلاف لكل المخلوقات الحية التي تدرجت فيما بعد في سلم التطور والرقي.. والطحالب قصة حياتها معقدة، وشأنها بالغ العجب.. بل إن مجرد وصفها لا يخلو من إثارة ومن غرابة! فالطحالب التي أنا واحد منها نباتات لها أوراق نباتية وسيقان وجذور.. وخلاياها تستخدم الطاقة الشمسية وتركز النتروجين الجوي.. وهي في نفس الوقت حيوانات، تتحرك، تقذف بسائل سام على فرائسها وتلتهمها..
والطحالب تتلون بالعديد من الألوان، وإن فضَّلت الأزرق والأخضر والأحمر.. وهي كائنات ليفية أو خيطية دقيقة، أو هي إسفنجية القوام أو مطاطية، أو خشبية أو حتى هلامية.. وهي تملك قدرات تفوق حد التصور فهي تعيش في مياه البحار والمحيطات والبرك.. وفي رمال الصحاري، وبين شقوق الصخر.. وتنمو في المناطق الحارة والمعتدلة والباردة والمتجمدة إلى درجة 200 تحت الصفر.. ولا تقضي عليها مياه النافورات الساخنة، وحمم البراكين ولو فاقت درجة الغليان.. بل لديها إمكانيات نادرة لمقاومة الإشعاع الذري وغالبية الغازات السامة..
والطحالب يا دكتور تتكاثر بمعدل يصل إلى ثماني مرات كل 24ساعة في المتوسط.. وكل خلية طحلبية - في جميع أنواع الطحالب مهما صغرت - هي مصنع للطعام في حد ذاتها، وبصور مدهشة".
على أن نبرات الصوت شابها الغضب بغتة وسرى في طبقاتها الحادة حقد أهوج دفين، في حين زاد التفاف أذرع الطحلب المطاطية حول بدن الرجل حتى لامسته وهو لاهٍ، متجمد، ضائع الحواس:
- "هذه هي قصة الطحالب، يا دكتور أدهم.. هذه هي قصة حياتي.. وهذا عالمي وجبروتي، وقد انتزعتني منه غدرًا، دون أن تملك الحق الذي لا يجرؤ أحد على ادعائه.. لكني مع ذلك بقيت.. لم أمت.. ولم أنتهِ.. وإنما أنت ستنزل عليك لعنتي وتدمرك نقمتي.. أنت الذي سيحيق بك الفناء.. بل، لا بد أن تدفع الثمن يا دكتور".
على الفور، شعر الرجل بالأذرع الملساء الباردة تحوطه إحاطة كاملة، لا مهرب منها إطلاقًا.. ثم راحت في عنف وحشي تعتصره اعتصارًا.. وحاول الصياح، أنفاسه تتحشرج، وصدره ينطبق، وعظامه تسحق وتتفتت.. حاول الصياح وطلب النجدة، لكن أنفاسه خمدت قبل أن تتحرك شفتاه.. ثم سكنت كل حركة، وساد القبو صمت مريب.
  
مرت ساعات حتى قاربت الشمس على المغيب.. قلق الطاهي العجوز على سيده فهو لم يتناول غداءه بعد.. لذلك فقد قرر أن يقطع عليه خلوته مهما تكن النتائج.. غير أنه بدلًا من سيل اللعنات الذي توقع مجابهته اكتشف الجسد المسجى بلا حراك..
هرع الطاهي مصعوقًا يخطر الجميع بما وجد.. جرت الأم في وجل، تجمع الأبناء والحفدة والخدم، وهم مذعورون، بطول السلم إلى باب القبو.. ثم أتى الطبيب آخر الأمر.. وبعد فحص دام دقائق، شخَّص الوفاة بأنها نتجت عن سكتة قلبية سببها إرهاق بدني لم يتحمله جسد المتوفى لكبر سنه..
وفي تثاقل وبطء كبيرين، انفرط التجمع على السلم.. وتم نقل الجثمان إلى أعلى الفيلا في مهابة وحزن، توطئة لتشييعه إلى مقره الأخير في أكبر قدر من الإجلال يتفق ومكانة صاحبه العلمية المرموقة...
أما الكائن البحري.. أما الطحلب، فبقي في ركن القبو المظلم، قابعًا يلفه السكون.. وقد تدلت حوله أذرعه القصيرة الذاوية بلا حراك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://salah-maaty59.ahlamontada.com
 
قصة الطحلب بقلم رائد أدب الخيال العلمي نهاد شريف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع الكاتب صلاح معاطي :: الأدب :: إبداعات الأعضاء-
انتقل الى: