موقع الكاتب صلاح معاطي
مرحبا أيها الزائر العزيز أنت الأن في نطاق موقع الروائي صلاح معاطي

موقع الكاتب صلاح معاطي

موقع يحتوي كتب واعمال الروائي صلاح معاطي
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول


















دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 24 بتاريخ الجمعة نوفمبر 29, 2013 6:18 am

شاطر | 
 

 تحميل رواية بردين

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صلاح معاطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 103
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 21/08/2009
العمر : 58
الموقع : http://salahmaaty.maktoobblog.com

مُساهمةموضوع: تحميل رواية بردين   الثلاثاء ديسمبر 28, 2010 6:00 pm


بردين
( 1 )

لم أكن أدري أن هناك جوانب كامنة داخل النفس ، مازالت خافية عنا يكتنفها الغموض ويصعب فهمها ، بالرغم من أنني وصلت إلى الدرجة التي أستطيع بها أن أميز بين الأشياء وأن أزن الأمور بميزان العقل والحكمة ، وأننا في حاجة إلى مجالات حسية أرحب أفقا وأوسع مدى لكي نفهم ماهية الحياة .. وكأننا مازلنا أجنة في رحم دنيا لا نعلم عنها شيئا ، نفهمها فقط ونعرف حقيقتها عندما تلفظنا ليحتوينا صمت أبدي نجهله .. وكأنه حكم علينا أن نجهل حياتنا مثلما نجهل موتنا ..
ولم أكن أدري أن رحلتي إلى بورسعيد بالقطار سوف تغير مجرى حياتي ، بالرغم من أنني سافرت إلى بورسعيد مرات عديدة وعشت فيها ليالي وأياما طويلة دون أن يحدث لي أي تغيير .. إلا هذه المرة التي سافرت فيها بمفردي ، كي أكسر حالة الجمود التي تعتريني منذ فترة .. فقد أنهكت نفسي في العمل طوال الشهور الماضية حتى شعرت أني تحولت إلى ترس يدور في آلة دون توقف .. فأصبت بالسأم والضيق ونضب معيني من الأفكار وفقدت مصدر الوحي والإلهام فلم أخط حرفا واحدا في ورقة منذ شهور عدة ..
قضيت في بورسعيد يوما وبعض يوم بين البحر والفندق ، أو متجولا ليلا في بعض أحيائها القديمة ، دون أن أجد ما يثير أفكاري ويشعل حميتي ويدفعني إلى الكتابة .. فعدت ..
وأنا في طريق عودتي أسندت رأسي على زجاج النافذة عندما بدأ القطار يتحرك ببطء تاركا محطة " الرسوة " وصوت عجلاته تصطك بالقضبان فيتملكني شعور بالخدر لذيذ ، فأخذتني إغفاءة للحظات لأنتفض على نداء أحد الباعة الجائلين ، أو صوت المحصل طالبا مني إبراز التذكرة ، أو ضجيج ركاب جدد صعدوا إلى القطار من محطات تالية ..
شعرت بالملل من جلستي هذه خاصة بعد أن بدأ التنميل يزحف إلى قدمي وساقي ، فوقفت ورحت أمشي في القطار كي أحرك عضلات جسمي التي تيبست وأنفض عنها الملل الذي اعتراها ، ووقفت عند مدخل القطار وأنا أنظر من خلال نافذة إلى الحقول والحيوانات وهي ترعى بحرية وبساطة .. لاهية .. قانعة .. تاركة مصيرها إلى خالقها .. ولفت انتباهي ذلك البساط الأخضر الممتد على آماق البصر والشمس الذهبية تلقي بأشعتها فوقه فيعطيك إحساسا بالحياة ..
أخذت نفسا عميقا من نسمة رقيقة هفت علي ملأت بها صدري ، ورحت أستدير متوجها إلى مقعدي .. قبل أن أفعل وجدتها أمامي على الجانب الآخر من العربة .. تنظر من النافذة المقابلة .. " فينوس " .. بوجهها الملائكي ، تكسوه براءة ونقاء لا مثيل لهما .. شعرها الأسود ينسدل خلفها في انسيابية .. لم تشوهه بعد ألوان المدنية والحضارة الحديثة التي لونت كل جمال طبيعي فشوهته ومسخته وقلبت معايير الجمال رأسا على عقب ..
وأكثر ما شدني إليها عيناها .. عيناها بحر بلا شطآن يغرق الناظر فيهما ، تحاشيت النظر إليهما حتى لا تغشى عيناي ، وغمازتان تلألأتا على وجنتيها زادت من سحرها ..
لوحة لم أر مثيلا لها .. وجه ملائكي ينطق بالبراءة ، وبساط أخضر في الخلفية تعانق مع أشعة الشمس الذهبية ، وسماء صافية كصفاء وجهها العاجي لم تشعر هي بوجودي ، وخجلت أن أقتحم وحدتها فأفسد الصورة الجميلة .. عدت إلى مقعدي وصورتها لا تزال ماثلة أمامي ، وأغلقت جفني على الصورة التي التقطتها لها عيناي لكي أحتفظ بها في مخيلتي أطول فترة ممكنة ، فقد ساءني أن أنظر إلى ما هو دونها ..
رحت أفتح عيني ببطء .. فجأة انفرج جفناي عن آخرهما .. وحملقت في الوجه الذي أمامي .. كانت هي .. فينوس .. الوجه الملائكي .. الروح الشفافة . وقد أغمضت عينيها الساحرتين وذهبت في إغفاءة .. رحت أتأملها .. تشعر حين تنظر إليها كأنك تنظر إلى نهر من لجين شفاف ، فيتملكك شعور بالارتواء بعد الظمأ وتحتويك نسمات الربيع في يوم قائظ ..
فتحت عينيها الساحرتين لتلتقي بعيني التي لا تزال تتأملها ، فرحت أفر من سحر عينيها بعيدا إلى الحقول والبساط الأخضر وحيوانات الحقل .. دون أن تدرك عيناي ما تنظر إليه ، كأنهما عينا طفل وليد ترى دون أن تعي معاني الأشياء ..
ولا أخفيكم سرا دق قلبي .. أجل .. رحت أقاوم دقاته بالنظر إليها ثانية "كالمستجير من الرمضاء بالنار" .. لكن أين هي ؟ .. اختفت .. يبدو أنها لاحظت تطفلي وأنا أنظر إليها فانزعجت واختارت مكانا آخر أكثر هدوءا ..
تبددت ظنوني عندما رأيتها مقبلة تحمل حقيبة صغيرة في يدها ، فتبرعت بمساعدتها في إفساح مكان لها .. شكرتني بهزة من رأسها فكانت أعظم هدية حصلت عليها اليوم .. وتأهبت لأبدأ معها حديثا ، فإذا بي أجدها تخرج من حقيبتها كتابا وانصرفت عني بقراءته .. رحت أزحف ببصري على عنوان الكتاب محاولا التقاطه أو حتى معرفة اسم مؤلفه .. ووقعت عيناي على العنوان " آلام فيرتر " لجيتة .. ووجدتها فرصة سانحة للحديث :
- يا لها من رواية رائعة .. لكنها مؤثرة للغاية ..
ووجدتها تنظر لي بعينيها السوداوين ليخفق قلبي ذلك الخفقان الذي لا أجد له تفسيرا - فقد ولى زمن هذا الخفقان العجيب فإذا به يعود من جديد - ووجدتها ترد بصوت ناعم حالم أشبه بتغريد البلابل :
- هذه هي المرة الثالثة التي أقرأ فيها هذه الرواية ولم أشعر فيها بأي تأثير ..
- كيف ؟ لقد أحب فيرتر شارلوت .. وكان هذا الحب مصدر شقاء له .. كم عانى فيرتر وقاسى من أجل محبوبته شارلوت التي ربطت حياتها بحياة إنسان آخر لا يحبها .. وعندما يئس فيرتر قتل نفسه ..
فرجت عن ابتسامة رقيقة وهي تقول :
- من أجل ذلك أقول إنني لا أرى هذه الرواية مؤثرة .. ماذا فعل فيرتر من أجل شارلوت ؟ .. ماتت أمها وتركتها مسئولة عن ثمانية أطفال صارت بالنسبة لهم الحياة ، ومع ذلك انتحر فيرتر .. هذا كل ما استطاع أن يفعله ..
- مسكين .. لقد أصابه اليأس وقضى عليه الحب ..
- لأنه كان يفكر بقلبه فقط ، فلم يحكم عقله ..
- كان حبا من طرف واحد إذن ..
نظرت من فوق الكتاب وهي تقول مشيرة بإصبعيها :
- بل من طرفين .. لو تذكر الرواية ستعرف أن شارلوت أحبته بنفس القدر ، ولكن ما بيدها أن تفعله ؟ .. كان عليها أن تتزوج " ألبرت " الذي اختارته لها أمها حتى تستطيع أن ترعى أخواتها .. هنا تبدو قيمة التضحية .. لقد فكرت شارلوت بعقلها وضحت بقلبها ..
رحت أسلك بالمناقشة طريقا آخر محاولا قدر الإمكان أن يمتد بنا الحوار أطول فترة ممكنة :
- هكذا تكون القصص الرومانسية .. لا تخلو من متعة ومشاعر فياضة تمس شغاف القلوب ، وقد نجح جيتة في رسم شخصياته بدقة ، حتى يخيل إليك أنه يروي قصته الحقيقية من خلال رسائله التي يبعث بها إلى صديق له ..
- معك حق .. أنا أحسست بذلك أيضا ..
- حقيقة نحن سيئو الحظ في هذا العصر بعد أن طغت المادية على المشاعر الإنسانية السامية واختفت الرومانسية من حياتنا ..
مصمصت شفتيها دون أن ترد ، وعادت إلى سطور الكتاب .. ووجدت الخيط ينسرب مني بالكامل فنظرت من النافذة ثانية أفكر في طريقة لإعادته ، وقد أظهر لي الحوار القصير الذي دار بيننا حول آلام فيرتر مدى رقتها وبساطتها .. وشعرت بارتياح شديد وأنا أتحدث معها ..
فجأة وأنا أنظر من النافذة اهتز القطار هزة عنيفة حتى خيل إلي أنه سوف يترك القضبان وينقلب . توقف القطار جثة هامدة .. صرخ بعض الركاب وانطلقوا مذعورين ، منهم من قفز من القطار ومنهم من اندفع نحو الباب ومنهم من وقع على الأرض ..
نظرت إلى محدثتي فلم أجدها .. لم أبال ، فقد تعودت على اختفائها وظهورها بين لحظة وأخرى ، كأنها طيف أو ملاك في صورة بشرية ظهر لي فجأة من بين طيات الزمن .. حاولت أن أبحث داخلي عن السر لانشغالي بها مع أنني لم أرها إلا منذ دقائق معدودة فلم أستطع .. ومع ذلك شعرت أني أعرفها منذ زمن بعيد .. وأخذت أحاول أن أتذكر متى وأين التقينا ..
نظرت ثانية من النافذة فوجدت لافتة كتب عليها اسم البلدة التي توقف القطار عندها .. بردين .. والتفت على صوت المحصل :
- اهدءوا من فضلكم .. عطل بسيط في القطار سيتم إصلاحه وننطلق ثانية ..
كان الجو داخل عربة القطار خانقا للغاية .. نزلت من القطار ووقفت بالخارج حتى يتم إصلاح القطار .. لمحت أريكة على مقربة فتوجهت إليها وقبل أن أصلها سمعت صوتا ناعما رقيقا يهمس بجانبي :
- ما اسم هذه البلدة التي نحن فيها ؟
كانت هي .. هتفت رغما عني :
- بردين .. بردين ..
ودعوتها للجلوس وأنا أسألها :
- من القاهرة أم من بورسعيد ؟
قالت دون أن تنظر إلي كأنها تحدث نفسها :
- بل من بورسعيد .. ليتني سمعت كلام والدتي وبقيت معها هناك ..
- أ ذاهبة إلى القاهرة في عمل أم للدراسة ؟
أجابت وهي تضحك لتكشف عن أسنان ناصعة البياض :
- لا هذا ولا ذاك ..
وخجلت .. شعرت كأنها تريد أن تقول لي " وما شأنك أنت " .. يبدو أنها أحست بذلك فأسرعت تقول :
- لقد أنهيت دراستي الجامعية في العام الماضي ولم أجد عملا بعد .. وقد جئت لأغير جوا عند عمي في القاهرة ، وفي نفس الوقت أبحث عن عمل .. أ رأيت جنونا كهذا ؟ .. أترك بورسعيد في عز الصيف وأذهب لأصيف في القاهرة ..
وضحكنا .. كانت الشمس تتأهب لتتوارى خلف الشفق تاركة من ذكرياتها على الأرض خطوطا أرجوانية راحت ترسم مع السحب أشكالا هلامية ، ومرق من بعيد سرب من الحمام في اتجاه الشفق ليكمل اللوحة البديعة التي هي من صنع الله سبحانه وتعالى ، ورحنا نمشي في اتجاه الشمس وأنا أقول في إعجاب:
- ياله من منظر بديع .. انظري إلى الطبيعة .. كما هي بلا رتوش ..
قالت وهي تزيح خصلة من شعرها غطت جبينها :
- بردين .. بلدة جميلة حقا بالرغم من أنني لم أسمع عنها من قبل .. أتمنى لو أعيش فيها عمري كله ..
رحت أعقب :
- هنا تشعرين أنك في عالم آخر غير عالم المدينة الخانق المعبأ بالغبار والتلوث .. عالم يسوده النقاء والصفاء .. تأملي أولئك الفلاحات اللاتي يجمعن القطن .. انظري كيف يبتسمن لنا في براءة وتلقائية وطيبة .. قلوبهن بيضاء صافية كلون القطن الذي يجمعنه ..
نظرت لي مبتسمة وهي تقول :
- غريبة ..
- ما الغرابة في هذا ..
- منذ قليل كنت تحدثني عن آلام فيرتر والآن تحدثيني عن الطبيعة في الريف .. يبدو أنك رومانسي فوق العادة ..
- بالطبع لابد أن لأكون رومانسيا , ألست أديبا ؟
صاحت في إعجاب :
- أديب حقا .. أ لك أعمال منشورة ؟
- ليست كثيرة .. بعض كتابات متفرقة في الجرائد والمجلات ..
وأخذنا الحديث ، ولم ندرك أننا ابتعدنا كثيرا عن القطار إلا عندما سمعنا صوت صفارته وهي تدوي وعجلاته تجري فوق القضبان ، وشاهدناه ينطلق بسرعة في اتجاه القاهرة ..
تسمرنا في مكاننا وأعيننا تلاحق القطار في حسرة مكتومة .. نظرت لي وهي تسأل :
- ما العمل الآن ؟
أسرعت أقول مطمئنا إياها :
- لابد أن هناك حلا .. فمن المؤكد توجد في بردين وسائل أخرى للسفر غير القطار ..
رحنا نجتاز كوبري المشاة الذي ينقل المسافرين إلى داخل المدينة ، ومشينا بين الحقول بينما كانت واجمة طول الطريق ..
- ماذا بك ؟
سألتها فأجابت بصوت أوشك على البكاء :
- هذه هي المرة الأولى التي يحدث لي فيها هذا الموقف السخيف ..
- يبدو أنك لست معتادة على السفر ..
- بالعكس .. أنا كثيرا ما أسافر بمفردي ، فقد تعودت على السفر منذ أيام الجامعة حيث كانت كليتي في الزقازيق ..
- إذن لتعتبري هذه المرة مغامرة .. ألا تحبين المغامرات ؟
ردت ضاحكة :
- ليست كل المغامرات ..
شاركتها الضحك ، ثم توقفت وأنا أسألها :
- تصوري .. لم أعرف اسمك حتى الآن ..
ابتسمت ابتسامة ماكرة وهي تسأل :
- لماذا ؟
- لا شيء ، ولكن من غير المعقول أننا معا أكثر من ساعتين وتركنا القطار وانصرف ولا يعرف كلانا اسم الآخر .. ثم إنني في الحقيقة أشعر بالارتياح إليك ، كأن اتصالا روحيا نما بيننا وكأننا نعرف بعضا منذ زمن بعيد .. هل يمكن أن نكون أصدقاء ؟
علقت وهي تقول ضاحكة :
- أ هكذا سريعا .. إننا لم نتعارف إلا من ساعتين فقط كما تقول ..
أسرعت أقول :
- وهذا يكفي ..
أومأت قائلة :
- لا أدري لم اطمأننت لك ولولا هذا لما تكلمت معك ولما فاتني القطار ..
ثم سكتت قليلا لتقول :
- اسمي غادة .. وأنت ؟
- عصام .. تخرجت في كلية الآداب منذ خمسة أعوام ، وأعمل صحفيا بجريدة الحياة ، وكما قلت لك أكتب القصة والرواية ..
ضحكت لهذا التعارف المباغت ، ومضينا نتحدث ونحن نسير في طريق بردين وقد أمسكت أنا بحقيبتي وحقيبتها معا ، فقد أنهكها السير وتوقفت وهي تصيح :
- لن أستطيع أن أسير خطوة واحدة ..
كانت الشمس قد اختفت تماما وبدأ الليل يرخي أستاره .. تلفت حولي باحثا عن إنسان في هذه البلدة الغريبة التي ألقت بنا المقادير فيها رغما عنا .. لمحت رجلا ريفيا طويلا ونحيلا .. يرتدي جلبابا ، فسألته عن أقرب محطة لسيارات الأجرة المتجهة إلى القاهرة ، فابتسم كأنه يسخر مني :
- ليست بعيدة يا أستاذ .. على بعد خمسة كيلو مترات فقط من هنا ..
ثم سألنا :
- ما الذي أتى بكما إلى هنا ؟
- فاتنا القطار فجئنا إلى هنا لنستقل السيارة الأجرة المتجهة إلى القاهرة ..
ضحك الرجل وهو يقول :
- السيارات الأجرة بالقرب من محطة القطار وليست هنا يا أستاذ ..
كادت غادة تبكي ولم ادر ماذا أفعل ، خاصة وقد أحسست أنني المسئول عن تأخرنا عن القطار :
- ما العمل الآن ؟
ووجدت الرجل يقول بلهجته الريفية :
- أفضل شيء هو أن تباتوا هنا في بردين حتى الصباح ، فتأخذان قطار الثامنة المتجه إلى مصر ..
نظرت له فاغرا فاها ولسان حالي يسأل .. كيف نبات ؟ وغادة هل سترضى أن نقيم ليلة في بلد غريب لا نعرف شيئا عنه ، وهل سنجد مكانا مناسبا نقضي فيه حتى الصباح ؟ .. شعر الرجل بحيرتي فأسرع يقول :
- لا تحمل هما يا أستاذ .. هيا معي ..
سرنا خلف الرجل الذي راح يمشي بنا وسط الحقول ، ثم توقف أمام بيت صغير وصاح :
- دقيقة واحدة يا بيه ...
دخل مسرعا ومضينا نتأمل البيت .. بيت مكون من طابقين . مضاء من الداخل إضاءة خافتة تحيطه غابة من الأشجار .. نظرت في عيني غادة فشعرت فيهما بالقلق ..
- أ خائفة ؟
لم ترد .. بل سكنت جانبي كأنها تحتمي بي .. بعد قليل خرج الرجل وهو يصيح في غوغائية ..
- تفضل يا بيه .. تفضلي يا هانم .. الست تحية ستقوم بالواجب ..
دخلنا البيت .. لنجد أنفسنا في صالة واسعة يتوسطها سلم يؤدي إلى الطابق الثاني .. في ركن من الصالة جلست امرأة بدينة في الخامسة والخمسين .. أدركت أنها الست تحية التي حدثنا عنها الرجل .. بدت شعيرات بيض أسفل الإيشارب الذي يغطي رأسها .. ترتدي ثوبا فضفاضا مشجرا يزيد من بدانتها .. مازال وجهها الأبيض البشوش يحتفظ بمسحة من جمال قديم كاد يتوارى خلف خطوط الزمان .. تنكب على ماكينة خياطة وقدمها الثقيلة تحرك الماكينة من أسفل .. نظرت إلينا وصاحت مرحبة بلكنة ريفية متمدينة :
- أهلا وسهلا .. تفضلا ..
ثم عادت إلى الثوب الذي تحيكه ، فغيرت من موضعه وراحت تعمل الماكينة فيه من جديد وهي تقول دون أن تنظر إلينا :
- لملوم قال لي إن القطار فاتكما .. لا بأس .. كل تأخيرة وفيها خيرة ..
ثم صاحت منادية لملوم :
- واد يا لملوم .. ضع لهما شيئا يأكلانه ..
رحنا نعتذر ونقسم أننا أكلنا قبل أن نأتي .. لكنها لم تبال وراحت تنهر لملوم:
- انت لسة واقف يا واد ..
ثم رفعت رأسها إلينا تاركة الماكينة وهي تقول :
- يبدو أنكما حديثا الزواج ..
احمر وجه غادة خجلا وأسرعت تقول :
- لقد التقينا فقط في القطار يا ست تحية ..
ضحكت تحية ورجعت بمقعدها إلى الوراء ، لتفسح لجسدها السمين مكانا ، ووقفت وهي تقول :
- كنت أعلم أنكما ستأتيان الليلة ..
قطبت جبيني في دهشة :
- وكيف عرفت ؟
راحت تقول وهي تصعد الدرج إلى أعلى :
- في الفنجان .. ففنجاني لا يكذب أبدا ..
ثم أطلقت ضحكة مرحة وأضافت :
- سوف أعد لكما غرفكما ..
راحت تدب بقدميها على الدرجات فتهتز لها جدران البيت .. نظرت إلى غادة كي أطمئنها وأقول :
- يبدو أنها ست طيبة ..
أسرعت تقول :
- المهم أن ننام سريعا حتى نلحق بقطار الغد ..
- أ ننام من الآن كالدجاج ؟ .. الساعة لم تبلغ السابعة بعد .. لا تتصوري منظر الريف في المساء والظلام ينسحب متسللا بين الأشجار والبيوت .. متعة ليس مثلها متعة ..
قالت بلا أهمية :
- لا يهمني منظر الريف في المساء .. ما يهمني الآن ألا يفوتني قطار الغد ..
رحت أهز كتفي وأنا أقول :
- على رسلك .. أما أنا فسوف أذهب لأمتع عيني بجمال الطبيعة الساحر ..
قطبت حاجبيها معترضة :
- ستذهب وحدك في الظلام .. ألا تخشى أشباح الليل ؟
قبل أن أجيب ظهرت تحية على السلم وهي تقول :
- كل شيء جاهز ..
قلت وأنا أتجه نحو الباب :
- سوف أخرج لأشم بعض الهواء يا ست تحية ..
ثم نظرت إلى غادة وأنا أعقب :
- فالجو هنا خانق ..
لحقت بي غادة وهي تقول :
- انتظر .. إنني في حاجة إلى بعض الهواء .. خذني معك ..
ضحكت تحية ثم صاحت بصوتها المرح :
- لا تتأخرا يا أولاد ..
وراحت ترمقنا بعينيها الطيبتين ، حتى خرجنا من الباب ..











الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://salah-maaty59.ahlamontada.com
 
تحميل رواية بردين
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع الكاتب صلاح معاطي :: الأدب :: الرواية-
انتقل الى: